الفصل الثالث: اللقاء الأول
لم يكن قرار اللقاء سهلاً على ليان.
أغلقت هاتفها أكثر من مرة وهي تعيد قراءة الرسالة نفسها من سامي:
“أريد أن أراكِ… فقط لنكمل حديثنا دون شاشة.”
لم يكن الأمر مجرد فضول، بل شيء أعمق يضغط على تفكيرها دون تفسير واضح.
في النهاية وافقت، لكن بشروطها:
مكان عام، وقت قصير، ولا توقعات.
اختارت مقهى هادئاً في وسط المدينة، بعيداً عن الضجيج.
عندما دخلت ليان، كانت تمشي بخطوات ثابتة، رغم أن قلبها لم يكن كذلك.
شعرها الأشقر كان ينعكس تحت الإضاءة الدافئة، وملامحها الهادئة تخفي توتراً بسيطاً لا يلاحظه إلا من يقترب كثيراً.
كان سامي يجلس في زاوية المقهى.
لم يقم فوراً.
فقط نظر إليها.
وكأن الصورة التي رسمها في ذهنه لأسابيع أصبحت فجأة واقفـة أمامه.
نهض ببطء.
“أهلاً…”
قالها بصوت منخفض، مختلف عن نبرة الرسائل.
أجابت:
“أهلاً.”
جلسا.
ثوانٍ من الصمت مرت كأنها أطول مما يجب.
ثم قال:
“كنت أتخيل هذا اللقاء أكثر من مرة… ولم أكن أتوقع أن يكون هادئاً هكذا.”
ابتسمت ليان بخفة:
“الهدوء أفضل من التوقعات أحياناً.”
راقبها سامي قليلاً.
لم يكن ينظر إليها كجمال فقط، بل كحضور مختلف… امرأة لا تحاول أن تكون شيئاً غير نفسها.
وهذا ما أربكه أكثر.
بدأ الحديث ببطء.
عن العمل.
عن الهندسة.
عن السفر.
ثم عن الحياة التي لا تُقال في الرسائل.
قال سامي فجأة:
“بعد الخيانة… لم أعد أثق بسهولة.”
لم تكن هذه المرة عبر شاشة.
كانت الكلمة أمامها مباشرة.
هزّت ليان رأسها بهدوء:
“الخيانة تغيّر الناس… لكنها لا تعني أن الجميع سيئون.”
نظر إليها طويلاً.
“أنتِ تقولين ذلك بثقة.”
“لأنني أؤمن به.”
صمت.
لكن هذه المرة لم يكن صمتاً فارغاً.
كان صمتاً مليئاً بشيء جديد يتشكل بينهما.
مع مرور الوقت، بدأ التوتر الأولي يختفي.
ضحكت ليان لأول مرة عندما روى سامي موقفاً محرجاً في اجتماع دولي.
ولأول مرة منذ فترة طويلة، ضحك هو أيضاً بدون حسابات.
لاحظ شيئاً لم يتوقعه.
لم تكن تحاول إبهاره.
ولم تكن تبحث عن ماله أو مكانته.
كانت فقط تتحدث معه كإنسان.
عند انتهاء اللقاء، وقف سامي أولاً.
“هل يمكن أن يتكرر هذا؟”
سألها مباشرة.
ترددت لحظة.
ثم قالت:
“ربما… إذا بقي الأمر كما هو اليوم.”
ابتسم.
“وأنا أعدك ألا أفسده.”
نظرت إليه قليلاً.
ثم قالت بهدوء:
“لا أحد يفسد الأمور وحده.”
خرجت ليان من المقهى، والمطر الخفيف بدأ يتساقط.
لم تكن تعرف لماذا شعرت بأن هذا اللقاء لم يكن مجرد بداية صداقة.
وفي الجهة الأخرى من الشارع، كان سامي واقفاً ينظر إليها وهي تبتعد.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
لم يشعر أنه يراقب حياة شخص ما من بعيد.
بل شعر أنه اقترب خطوة منها.




