asset-377863998576836617

خلف الأبواب المغلقة : مواجهه

حيث  خلف الأبواب المغلقة تحدث مواجهه بين الأب وابنه والعشيقة السرية كان هذا هو اليوم الذي قرر فيه أحمد فؤاد زيارة ابنه في الشركة  فجأة حيث فتح باب المصعد الرئيسي في الطابق السابع، وخرج أحمد فؤاد. كان يرتدي بدلة رمادية غامقة، ويمسك بعصا أنيقة ذات مقبض فضي، رغم أنه لا يحتاجها للمشي فقد كان يستخدمها كإكسسوار للهيبة فقط. سار في الممر بخطوات واثقة، وعيناه تتفحصان المكان كأنه يفتش عن شيء ما.

عندما رأته أميرة في مكتب الاستقبال، كاد قلبها يتوقف. الجميع يعرف أحمد فؤاد. الجميع يخافه.

“صباح الخير يا أستاذ أحمد. أستاذ كريم في مكتبه. أحب أبلغه بحضور حضرتك؟” قالت أميرة بصوت مرتجف وهي تمسك بسماعة الهاتف.

“لا داعي. أنا هدخل بنفسي.” قالها أحمد فؤاد بصوت أجش وهو يمضي متجاوزاً إياها.

في طريقه إلى مكتب كريم، مر على مكاتب الموظفين. كان الجميع يخفضون رؤوسهم. الكل يعرف سمعة أحمد فؤاد. رجل أعمال عظيم، نعم. لكنهم يعرفون أيضاً قصصاً عن قسوته، عن كرهه للنساء، عن الطرق الغريبة التي يعامل بها من يعملن معه أو لديه.

وصل إلى مكتب كريم. كان الباب موارباً. دفعه برفق ودخل.

كان كريم جالساً خلف مكتبه، وسلّمى تقف بجانبه تشرح له جدول أعمال الأسبوع القادم. عندما رأت سلّمى أحمد فؤاد يدخل، توقفت عن الكلام فجأة. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

لم تكن هذه المرة الأولى التي ترى فيها أحمد فؤاد. لكن في كل مرة تراه، تشعر أن عينيه تخترقانها بنظرة غريبة. نظرة فيها اشمئزاز وفضول في آن واحد. نظرة رجل لا يرى في النساء سوى أجساد للاستخدام، وعقول للخيانة.

“أهلاً بابني.” قال أحمد فؤاد وهو يتجه إلى كريم ويقبله بين عينيه. تجاهل سلّمى تماماً كأنها غير موجودة في الغرفة.

“أهلاً يا أبي. ما كنتش أعرف إنك جاي النهاردة. كان لازم تبلغني علشان أكون في استقبالك.” قال كريم وهو ينهض من كرسيه.

“مش محتاج أبلغ حد. أنا صاحب المكان.” قالها أحمد فؤاد وهو يجلس على الأريكة الجلدية في زاوية المكتب. ثم رفع عينيه إلى سلّمى للمرة الأولى منذ دخوله.

“إيه؟ لسه شغالة معاك يا كريم؟” سأله بنبرة فيها استهجان واضح.

“سلّمى هي مساعدتي الشخصية رد كريم بصوت هادئ لكن حازم.

ضحك أحمد فؤاد ضحكة قصيرة جافة: “مساعد شخصي. طبعاً. كلهم بيبدأوا كده.” ثم نظر إلى سلّمى مباشرة وقال: “إطلعي بره شوية. عايز أتكلم مع ابني في موضوع خاص.”

شعرت سلّمى بدمها يغلي. لكنها أطبقت شفتيها بقوة، وأومأت برأسها باحترام مصطنع، وخرجت من المكتب.

في الممر، كادت أن تصطدم بسيدرا التي كانت قادمة لزيارة كريم.

“سلّمى! أخبارك إيه يا حبيبتي؟ مالك؟ شكلك متضايقة.” قالت سيدرا بلهفة وهي تمسك بذراع سلّمى.

“عمك جوه.” همست سلّمى وهي تشير إلى مكتب كريم.

فهمت سيدرا كل شيء في لحظة. كانت تعرف طبيعة عمها جيداً. ربما أكثر مما يجب.

“تعالي معايا. نشرب حاجة في الكافيتريا. سيبيهم يتكلموا.” قالت سيدرا وهي تسحب سلّمى من يدها برفق.

في الطريق إلى الكافيتريا، مرت عليهما رانيا. رأت سيدرا تمسك بذراع سلّمى وتتحدث معها بحميمية. فتحت عينيها بدهشة. سيدرا فؤاد، ابنة العائلة، قريبة من سلّمى إلى هذه الدرجة؟ هذا يعني أن سلّمى ليست مجرد موظفة عادية. هذا يعني أنها دخلت العائلة بطريقة ما. شعرت رانيا بالغيرة تزداد في صدرها كالنار.

في الكافيتريا، جلست سيدرا وسلّمى في ركن هادئ. أحضرت سيدرا كوبين من الشاي.

“مش عايزاكي تزعلي من كلام عمي. أنا عارفاه كويس. هو مش بيكرهك شخصياً. هو بيكره كل الستات. ده موضوع قديم عنده.” قالت سيدرا وهي تنفخ في كوب الشاي.

“وأنا مش فاهمة ليه. إيه اللي ممكن يخلي رجل يكره نصف البشرية كلهم؟” سألت سلّمى بفضول.

صمتت سيدرا لحظة. نظرت حولها لتتأكد أن لا أحد يسمع. ثم قالت بصوت خافت:

“عمي أحمد… مراته ماتت في ظروف غريبة. يعني ماتت وهي صغيرة، وعمري ما حد عرف الحقيقة كاملة. في ناس بتقول إنها خانت عمي أحمد مع حد من الشغل، وفي ناس بتقول حاجة تانية. المهم، بعدها عمي أحمد اتغير تماماً. بقى شايف إن كل ست خاينة، كل ست عاهرة. مفيش ست في نظره تستحق غير إنها تُستعمل وترمي. وعمره ما اتجوز بعدها. بس…”

توقفت سيدرا فجأة.

“بس إيه؟” سألت سلّمى بتلهف.

“بس سمعت من ماما إنه… بيعمل حاجات غريبة مع الستات اللي بيصاحبهم. حاجات مش طبيعية. بيتعامل معاهم كأنهم مش بني آدمين. وكريم عارف ده كويس. وده اللي مخليه دايماً في صراع مع أبوه. عمي أحمد بيحب كريم حب مش طبيعي. كريم هو كل حاجة في حياته. بس في نفس الوقت، كريم مش زي أبوه. كريم محترم.”

سكتت سلّمى. كانت تعرف أن كريم ليس كأبيه. كانت تعرف ذلك من لمساته، من صوته، من الطريقة التي يعاملها بها خلف الأبواب المغلقة. لكنها لأول مرة تفهم لماذا كريم صامت دائماً عن أبيه، ولماذا لا يتحدث عنه أبداً.

في هذه الأثناء، في مكتب كريم، كان الحديث محتدماً بين الأب والابن.

“أنا مش فاهم يا كريم. إنت لسه شاب. ليه مفيش ست في حياتك غير السكرتيرة بتاعتك دي؟” قال أحمد فؤاد وهو يشير بيده نحو الباب.

“سلّمى مش سكرتيرة. هي مساعدتي الشخصية. وفرق كبير.” رد كريم ببرود.

“مساعد شخصي… خادمة… سكرتيرة… كلهم نفس الشيء. جواري. بتستخدمهم وبعدين ترميهم. دي طبيعة الستات. مش لازم تحترمهم زيادة عن اللزوم. لما تحترمهم، بيتمادوا. ولما بيتمادوا، بيخونوا.” قال أحمد فؤاد وصوته يرتجف قليلاً.

نظر كريم إلى أبيه طويلاً. كان يعرف هذه النبرة. نبرة الرجل الذي لم يشفَ من جرحه القديم أبداً. نبرة رجل ما زال يحب امرأة ماتت أو خانته أو… لا أحد يعرف الحقيقة كاملة.

“أنا مش زيك .” قال كريم بهدوء. “أنا مش شايف الستات بالشكل ده.”

“عشان كده أنا قلقان عليك. إنت طيب يا كريم. زيادة عن اللزوم. والطيبة دي هي اللي هتخليك تاكل المقلب. زي ما أنا أكلته زمان.” قال أحمد فؤاد بحزن حقيقي هذه المرة.

ثم نهض فجأة. “على العموم. أنا جاي أقولك إني هسافر لندن بكره. شغل. هرجع بعد أسبوعين. خلي بالك من الشركة. ومن نفسك.”

قبل كريم بين عينيه مرة أخرى، وخرج من المكتب دون أن ينظر إلى سلّمى التي كانت عائدة للتو من الكافيتريا مع سيدرا.

رأت سلّمى أحمد فؤاد يخرج من المكتب، فوقفت جانباً تخفض رأسها. مر بجانبها دون أن ينظر إليها. لكنه توقف فجأة على بعد خطوتين منها. استدار برأسه قليلاً وقال بصوت منخفض لا يسمعه أحد سواها:

“كريم ابني الوحيد. أي حد يأذيه… هيدفع التمن غالي.”

ثم مضى في طريقه نحو المصعد.

شعرت سلّمى بقلبها ينقبض. لم تكن تعرف إن كان هذا تهديداً أم تحذيراً. لكنها عرفت شيئاً واحداً: أحمد فؤاد لن يتقبلها أبداً. وإذا عرف حقيقة علاقتها بابنه، فستكون كارثة.

دخلت مكتب كريم. كان واقفاً بجوار النافذة ينظر إلى الشارع بعيداً. أغلقت الباب خلفها.

“كريم… أبوك …” بدأت سلّمى بصوت مرتجف.

التفت كريم إليها فجأة. عبر الغرفة في خطوات سريعة ووقف أمامها.

“أبي مالهوش دعوة بيكي. ولا بعلاقتنا. أنا اللي بحبك. أنا اللي عايش معاكي. مش هو.” قالها بسرعة، ثم أمسك بيديها.

“بس هو…”

“مفيش بس. أبويا مليان جروح قديمة. ومش هخلي جروحه تأذيكي. أبداً.”

ثم سحبها إلى صدره وعانقها بقوة. شعرت سلّمى بالأمان يعود إليها تدريجياً.

في المساء، وبعد أن هدأت الشركة، اتصل كريم بعمه هاني.

“عمي هاني. ممكن أجيلك النهاردة؟ عايز أكلمك في موضوع.”

“تعالى يا حبيبي. أنا في البيت. نادية هتعمل محشي. تعالى اتغدى معانا.” قال هاني بصوته الدافئ المطمئن.

Comments are closed.