ليالي بيروت المشتعلة : الخاضعة ديما

ليالي بيروت المشتعلة : الفصل الثالث عشر

ليالي بيروت المشتعلة : عندما يلوح شبح الرحيل

ارتسمت على شفتي “ديما” ابتسامة خبيثة باهتة، وهي تراقب  خوف “أحمد” من شبح الفقدان الذي يخيم عليه. لم يفارق بصرها هاتفه الملقى بجانبه، وكأنها تنتظر لحظة الانقضاض على فريسة. وبينما

كان “أحمد” غارقًا في محاولة استرضائها، امتدت يدها بخفة نحو الهاتف، وفتحت شاشة المحادثة مع الدكتور “ياسر”.

قرأت كلمات الطبيب بتمعن، وقلبها ينقبض ببرودة: “عليك أن تعيد ثقتها بك، عليك أن تشعرها بالأمان، ولكن طريقك صعب. حاول أن تجبرها على كتب الكتاب حتى لو هددتها، ولكن اعلم أنها ستعاتبك،

ولكن بعد فترة ستفهم أنك جبرتها كي لا تخسرها. مثلًا، هددها بأنك ستخبر أهلها، أو أي شيء يجعلها ترضى بالزواج بك، واحرص على ألا تعطيها وقتًا لتفكر. أثناء قدوم الشيخ، نفذ ذلك.”

لتبتسم ديما مقررة الاستباق عليه بخطوة  فتركت  الهاتف على السرير كما كان، وأطبقت عينيها ببطء، تتظاهر بالنعاس. بعد لحظات، سمعت صوته الحنون يناديها: “صغيرتي.” فتحت عينيها ببطء،

وتصنعت ألمًا في جسدها وهي تحاول أن تستقيم قليلًا لتشرب. أسرع “أحمد” لمساعدتها، وسند رأسها برفق وهو يقرب الكوب إلى شفتيها. بعد أن شربت بضع رشفات، همس بصوت دافئ: “صحة وهنا

يا صغيرتي.”

وضع “أحمد” الكأس على الطاولة بجانب السرير، وأسند “ديما” برفق على الوسادة حتى استقرت. غطاها بعناية فائقة، ثم انزلق بجانبها على السرير، يقبل عنقها برقة. لاحظ ارتعاشة خفيفة تسري في

جسدها، علامة على خوف دفين لا يزال يسكن روحها. قبل عنقها عدة مرات متتالية، محاولًا بث الطمأنينة في أوصالها.

شيئًا فشيئًا، بدأت ترتخي بين ذراعيه، واستكان جسدها المتصلب. لاحظ “أحمد” استجابة خافتة، ارتعاشة أخرى لكنها هذه المرة بدت أقل خوفًا وأكثر… استسلامًا؟ ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه ثم

التقط هاتفه و قرأ رسالة الدكتور “ياسر” بسرعة، ثم بدأ يفكر بجدية في اقتراحه المثير للقلق.

خطر له أن يهدد “ديما” بالصور الحميمة التي التقطاها سويًا في لحظات حميمية سابقة. كتب إلى “ياسر” يخبره بهذه الفكرة.

جاء رد “ياسر” سريعًا وحاسمًا: “لا تفعل! ستفقد ثقتها بك تمامًا هددها بطريقة أخرى… هددها بأنك ستخبر أهلها بكل ما فعلته بها. ستخاف على سمعتها ومظهرها أمامهم، وستوافق على الزواج.”

خالج “أحمد” شعور عميق بالخوف من تنفيذ اقتراح الدكتور “ياسر”. فكرة تهديد “ديما” كانت بغيضة ومقززة له، حتى في لحظات يأسه ورغبته الجامحة في الاحتفاظ بها. كان يعلم أن هذا الفعل سيدمر

ما تبقى من ثقتها به، وقد يدفعها إلى كرهه للأبد. رغم خوفه من فقدانها إذا رحلت، كان هناك جزء عميق داخله يرفض أن يلجأ إلى هذا الأسلوب الدنيء.

كتب “أحمد” رسالة أخرى، كلماتها مرتعشة تعكس يأسه العميق: “هل أنا سيء لهذا الحد يا ياسر؟ أقسم لك أنني أتمنى الموت ألف مرة أكثر من خسارتها.”

جاء الرد سريعًا هذه المرة، بنبرة أكثر هدوءًا وعقلانية: “استغفر ربك يا أحمد. لا تدع اليأس يتملكك. فكر بحل إيجابي، وأنا سأحاول مساعدتك في إيجاد مخرج من هذا الوضع.”

كتب “أحمد” ردًا حاسمًا للدكتور “ياسر”: “لا يا ياسر… لن أفعل ذلك. إذا فعلت ذلك، ستكرهني حقًا، ولن يكون هناك أي أمل في المصالحة.”

غاص “أحمد” في نوم عميق، ذراعه تطوق “ديما” بإحكام،  شعرت “ديما” بثقل جسده عليها، فاستيقظت ببطء وحذر. نظرت إليه وهو نائم، ثم امتدت يدها بهدوء نحو هاتفه الملقى بجانبه. فتحت شاشة

المحادثة مع الدكتور “ياسر”، وعادت ببطء لتقرأ آخر رد أرسله “أحمد”.

ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة . أعجبها رفضه للحل الذي اقترحه صديقه، رأت فيه بصيص أمل. أعادت الهاتف إلى مكانه وحاولت أن تغفو مجددًا، لكن الأفكار كانت تتزاحم في رأسها. بعد دقائق،

هزت كتف “أحمد” برفق وتصنعت ألمًا خفيفًا. انتفض “أحمد” فزعًا، وعلى وجهه علامات القلق، وسارع ليحضر المرهم الطبي وبدأ يعالج كدماتها برقة وعناية.

لم يكن “أحمد” قد انتهى من وضع المرهم حتى اخترق صمت الغرفة صوت جرس الباب، معلنًا عن وصول الشيخ والشهود. نظرت “ديما” إليه بشرود، بينما ارتسم على وجه “أحمد” مزيج من الذعر والارتباك.

“لا تقلقي يا حبيبتي… إنه الشيخ والشهود. سأعتذر لهم وأعود بعد دقائق”، قال “أحمد” بسرعة وهو ينهض.

خرج “أحمد” وفتح الباب، واستقبل الشيخ والشهود بابتسامة باهتة. “أعتذر منكم يا شيخنا… لقد سقطت خطيبتي للتو وتعرضت لبعض الرضوض، وهي الآن بحاجة للراحة.”

تبادل الشيخ والشهود نظرات قلقة، وتمنوا لـ”ديما” الشفاء العاجل، ثم قرروا المغادرة، متفهمين للظرف الطارئ.

عاد “أحمد” إلى الغرفة، وعلى وجهه علامات ارتياح مؤقت. “لقد ذهبوا. كيف تشعرين الآن يا حبيبتي؟”

أجابته “ديما” بصوت خافت: “أفضل.”

كسر “أحمد” الصمت الموتر قائلًا برجاء: “قطتي… لا يمكنكِ الذهاب إلى المنزل هكذا… أرجوكِ، أخبري والديكِ أنكِ عند “ميرا”، وأنا سأتدبر الأمر معها.”

نظرت “ديما” إلى علامات العنف التي لا تزال بادية على جسدها، ثم أومأت برأسها ببطء قائلة: “حسنًا.”

أجرت “ديما” اتصالًا هاتفيًا بوالديها، بينما أجرى “أحمد” اتصالًا بـ”ميرا”. استقبلت “ميرا” اتصاله باستغراب وتساؤل عن السبب.

“ميرا… “ديما” بخير، لكنها سقطت أرضًا ولا يمكنها السير. أهلها سيقلقون، لذا أخبرتهم أنها عندكِ.”

أقفلت “ميرا” الخط مع “أحمد” بسرعة، وسارعت بالاتصال بـ”ديما” لتطمئن عليها، بعد أن أخبرها “أحمد” بأنه أوضح لميرا أنها سقطت وتعرضت لرضوض.

أجابت “ديما” على هاتف “ميرا” بصوت يحاول أن يكون طبيعيًا: “مرحبًا يا ميرا…”

أخبرت “ديما” “ميرا” بصوت هادئ: “أنا بخير يا حبيبتي، فقط تعرضت لبعض الرضوض. سنتقابل غدًا في الجامعة.”

عندما أنهيا المكالمتين، قال “أحمد” لـ”ديما” بنبرة متوددة: “صغيرتي، لم تأكلي شيئًا طوال اليوم. ماذا أحضر لكِ؟ أنا جائع جدًا ولم آكل منذ ظهر البارحة. إن لم تتناولي الطعام معي، لن آكل أنا أيضًا.”

أجابته “ديما” بفتور: “حسنًا… أحضر لي زنجر.”

ابتسم “أحمد” قليلًا: “مع بطاطا وسلطة درة؟”

ردت “ديما” ببساطة: “أجل، هكذا بالضبط.”

قال “أحمد” بحماس : “فلتأمر أميرتي.”

لم يمضِ سوى نصف ساعة حتى وصل الطعام. أسرع “أحمد” بتجهيز الطاولة الصغيرة أمام الكنبة، ثم عاد ليحمل “ديما” برفق بالغ إلى طاولة الطعام. تناولا العشاء سويًا، وكان “أحمد” يطعمها بيده، يراقب كل لقمة تدخل فمها بعينين زائغتين.

عندما انتهيا، حملها مجددًا إلى كنبة مريحة تتوسط الغرفة، مقابل شاشة تلفزيونية كبيرة. ذهب “أحمد” لتنظيف بقايا الطعام عن الطاولة، ثم عاد يحمل عدة قطع من المثلجات الشهية. لطالما أخبرته “ديما” أنها تعشق المثلجات.

عرض عليها القطع الملونة من المثلجات، لكنها رفضتها بتصنع. ضغط عليها “أحمد” بكلمات معسولة، يتودد إليها حتى أخذت إحدى القطع. راقبها وهي تأكلها بتلذذ، ثم أخذ قطعة أخرى وبدأ يأكل منها هو الآخر.

فجأة، انتابه شعور غريب، شهوة خفية بدأت تتسرب إلى داخله. مد يده وأخذ قضمة صغيرة من قطعة المثلجات التي تأكلها “ديما”، ثم اقترب منها أكثر وهمس وهو يأكل قليلًا من شفتيها: “أردت أن أجرب طعمها.”

ناولها قطعة المثلجات التي بيده، لكنها رفضتها. “إنها لذيذة جدًا”، قال “أحمد” بإلحاح حتى أخذت منها قضمة صغيرة. عاد ليأكل قليلًا من شفتيها مرة أخرى، وهمس بصوت أجش: “الآن أصبحت ألذ.”

بعد أن انتهيا من تناول المثلجات، أحضر “أحمد” غطاءً رقيقًا، وجلس بالقرب من “ديما”، ثم احتضنها برفق. شغل فيلمًا على الشاشة الكبيرة، الفلم كان  مستوحى عن قصة خاضعة، ولكن.. 

انغمست “ديما” و”أحمد” في مشاهدة الفيلم، وكان “أحمد” يتعمد إبداء رأيه في الأحداث ومناقشتها، محاولًا جر “ديما” إلى الحديث والتفاعل معه. كان تجاوبها الخافت يمنحه بريق أمل هش في استعادة علاقتهما.

عندما انتهى  الفيلم، بدت ملامح النعاس واضحة على وجه “ديما” الشاحب. همس “أحمد” برقة: “قطتي تشعر بالنعاس… هيااا للنوم. ولكن قبل النوم، دوش ساخن لجسدكِ سيخفف من الكدمات مع وضع المرهم.”

تأففت “ديما” بضجر، لكن “أحمد” قاطعها بحنان: “صغيرتي، أعدكِ عشرين دقيقة وأنتهي.”

“لا… لن تفعلها أنت”، قالت “ديما” بنبرة فاترة.

الفصل الرابع عشر : بريق أمل