سلطان الأنا وملاك الصدق : الفصل الخامس

سلطان الأنا وملاك الصدق: المقاومة المستحيلة

قررت مريم أن الرد على غطرسة سلطان سيكون الصمت والعمل. طوت بطاقة العرض الذهبية بعناية، ووضعتها في أسفل درج مكتبها، كذكرى لتحدٍّ قادم. لم يكن خيار التضحية بكرامتها مطروحاً، حتى لو كانت العواقب مالية.

“لا يمكن لرجل واحد، مهما كان ثرياً، أن يتحكم في كل فرص المدينة.” قالت لنفسها في محاولة لتهدئة قلقها المتزايد.

بدأت مريم سباقها المحموم ضد الزمن والحاجة. تقدمت للعديد من الوظائف خلال الأيام الثلاثة التالية، وظائف متواضعة لا تتطلب مؤهلات سوى الإخلاص: مدرسة خصوصية، مساعدة إدارية لعيادة طبية، وحتى عاملة هاتف في شركة صغيرة.

في البداية، بدا الأمر واعداً:

  1. فرصة التدريس: حصلت على موافقة مبدئية لتدريس طفلة في عائلة مرموقة. كانت السيدة العجوز في غاية اللطف وقدرت شهادتها.
  2. فرصة العيادة: نجحت في المقابلة وأخبرها المدير أنه سيتم الاتصال بها للتوقيع على العقد في صباح اليوم التالي.

شعرت مريم ببارقة أمل، بأن الحياة لم تنغلق في وجهها بعد.

لكن في كل مرة كانت تمد فيها يدها نحو طوق النجاة، كان سلطان يسحبه بهدوء وخفاء.

  • في المساء، اتصلت بها سيدة العائلة التي كانت ستدرس ابنتها، صوتها بدا مرتبكاً وبعيداً: “آسفة يا مريم، لقد تغيرت خططنا فجأة، ولن نحتاج إلى مدرسين في الوقت الحالي. أتمنى لكِ التوفيق.”
  • وفي صباح اليوم التالي، ذهبت مريم إلى العيادة للتوقيع على العقد، لكن المدير استقبلها بوجه شاحب وعيونه تتجنب النظر إليها. “مريم، أعتذر بشدة. لقد اكتشفنا مشكلة قانونية في أوراق التوظيف الخاصة بنا، ويجب أن نوقف جميع التعيينات. لا علاقة للأمر بكِ.”

تكرر الأمر لثلاث فرص متتالية. كانت الفرص تظهر وتختفي في غضون ساعات قليلة، وكلما كانت أقرب إلى الإمساك بها، كانت تتبخر دون سبب منطقي.

بدأت مريم تدرك الحقيقة القاسية: سلطان لم يكن يهددها بوضوح، بل كان يطبق عليها حصاراً اقتصادياً خانقاً. لقد وظّف غروره وماله ليس كدرع، بل كشبكة عنكبوتية تخنق أي حركة لها في المدينة. لم يكن يراقبها بمسدس، بل بملف يحتوي على معلومات عن كل صاحب عمل محتمل.

لقد كان يرسل رسالة واضحة لكل من يفكر في توظيفها: “هذه الفتاة ملك لي، ومحاولة مساعدتها ستكلفك غالياً.”

في ليل اليوم الخامس، كانت مريم منهكة ووحيدة في غرفتها. كان الإيجار مستحقاً، والمكتبة مغلقة، ورفض سلطان يطاردها في كل مكان. لم تعد تهتم بكرامتها أمام الناس، بل أمام نفسها.

دخلت غرفة والدها بهدوء لتفحص حرارته، وحين رتبت زجاجات الدواء على الطاولة، انتبهت لشيء.

علبة دواء القلب الأساسي التي اعتاد والدها تناولها، كانت فارغة تقريباً. لم يتبقَ فيها سوى حبتين تكفيان ليوم واحد. كانت علبة باهظة الثمن، ووصفتها تحتاج إلى تجديد، وهذا يعني مبلغاً كبيراً من المال غير متوفر لديها.

في تلك اللحظة، تحطمت جميع حصون مريم أمام مشهد العلبة الفارغة. لم يعد الأمر يتعلق بها أو بكبريائها، بل بالرجل الذي يعشقها والذي لا يمكنها تحمل رؤيته يتألم. كرامتها لم تكن تساوي ثمن حياة والدها.

نهضت ببطء، وشعرت بمرارة لاذعة تملأ حلقها. توجهت إلى الدرج، وأخرجت الظرف الذهبي، ثم أمسكت ببطاقة العرض التي كتب فيها سلطان ملاحظته المتعجرفة لقد عرف نقطة ضعفها بدقة، ولم يهاجمها بماله، بل بفقرها وحبها.

جلست مريم أمام هاتفها. لم تتصل، بل كتبت رسالة بريد إلكتروني رسمية إلى العنوان المذكور في البطاقة، العنوان المخصص لمكتب الرئيس التنفيذي:

“السيد سلطان الأسعد،

أقبل عرض العمل في منصب مستشار إداري للمشاريع المجتمعية، اعتباراً من صباح غد.

مع فائق الاحترام،

مريم.”

لم تمر دقيقتان، حتى وصلها رد آلي قصير: “تم تأكيد تعيينك. سيتم إرسال كافة التفاصيل اللازمة للعمل في صباح الغد.”

في الطرف الآخر من المدينة، في برجه الزجاجي، كان سلطان يراقب شاشته الهادئة. رأى الرسالة، ولم يشعر بالانتصار الذي توقعه. بدلاً من ذلك، شعر بـفراغ غريب. لقد حصل على ما أراد، لكنه حصل عليه عن طريق إخضاعها بالكامل، وليس عن طريق إقناعها.

أغلق الشاشة، وشعر فجأة بملل قاتل. لقد بدأ التحدي للتو، ولكنه كان يعلم أن مريم ستدخل عالمه كالشوكة التي ستظل تذكره بفقر روحه، حتى وهو جالس على عرش ثرائه.

Tags: No tags

Comments are closed.