أحجار على رقعة الشطرنج : اعتراف بالذنب
شعر سليم بالشفقة تتسلل إلى قلبه تجاه وليد، الذي بدا محطمًا تمامًا. “كل شيء سيصبح أحسن،” قال سليم، محاولًا بث بعض الأمل.
لكن وليد كان غارقًا في دوامة الندم. “تخيل حتى زهراء،” قال بصوت مبحوح، “والتي كنت أشعر تجاهها بمشاعر غريبة ليست حب، والتي لم أقرر خداعها كباقي الفتيات، جعلتني أؤذيها بخطة محكمة. ماذا سأقول لها؟ وماذا سأقول لجدي؟”
ثم انتقل ندمه إلى شخص آخر: “نور! التي فعلت كل شيء من أجلي، واستغليت عقدها النفسية لمصلحتي. ماذا سأقول لها؟”
قاطعه سليم بجدية: “نور ليست بريئة. فزهراء كانت صديقتها وتعتبرها أختها. هي من خانت صديقتها بسبب غيرتها المفرطة.”
تنهد وليد، وقد ارتسم على وجهه مزيج من الألم والندم. “نور ضحية للظروف التي مرت بها،” قال بصوت متهدج. “وأنا استغليت غيرتها من زهراء وحبها لي. أنا المتسبب! أجل، نور أخطأت، ولكن أنا المتسبب الأكبر. أنا من يجب أن يدفع الثمن.”
كان هذا اعترافًا صريحًا بالذنب من وليد، إدراكًا منه للمسؤولية التي تقع على عاتقه. لقد بدأت الحقائق المؤلمة بتغيير نظرة وليد لذاته وللآخرين، وتحويله من شاب أناني إلى شخص يدرك حجم الأخطاء التي ارتكبها.
“يجب أن تتماسك من أجل والدك،” قال سليم لـوليد، محاولاً إعادته إلى الواقع. “يوجد الكثير من الحقائق التي يجب أن نكتشفها، وخصوصًا مقتل أخي وزوجته.”
“أقسم لك لا أعرف أي شيء عن هذا الموضوع ولا دخل لي بالحادثة،” قال وليد بلهجة حاسمة، وقد بدت عليه ملامح الصدق.
“أعلم،” أكد سليم. “ولكن الذي نفذ الحادثة أراد توجيه الشكوك نحوك أنت ووالدك.”
“إذاً فارس المصري وأمي؟” سأل وليد، وقد بدأت خيوط جديدة تتضح أمامه.
“بالغالب هم، ولكن يجب أن نتأكد،” قال سليم، ثم نظر إلى وليد بتفكير عميق: “ولكن كيف؟”
“أريد مساعدتك،” أجاب سليم على سؤال وليد، ونبرته تحمل جديّة وعزيمة.
“بالتأكيد، سأفعل كل ما تريد،” ردّ وليد على الفور، وقد بدت عليه علامات التصميم بعد أن بدأ يرى بصيص أمل.
“هيا لندخل، والدك وجدك بحاجتك،” قال سليم، مشيرًا إلى الغرفة حيث كان مروان والجد أبو خالد ينتظران. كانت هذه اللحظة بداية لتعاون غير متوقع، تحالف بين من كانوا أعداءً في الأمس .
دخل سليم ووليد إلى الغرفة، ووضع سليم يده على كتف وليد في لفتة دعم. ابتسم الجد أبو خالد لهما، بينما شعر مروان بفرحة غامرة لعودة العلاقة بين ابنه وسليم، فقد كانا صديقين مقربين في الماضي.
“لقد جعت، سأطلب الطعام،” قال سليم، محاولًا إضفاء جو من الخفة. “ونحن أيضاً ” أجابه الجد، تاركًا لهم مساحة للتحدث.
اقترب مروان من وليد وقال بصوت يملؤه الأسف: “أنا آسف يا بني. بسببي عشت كل هذه المأساة. أقسم لك أنه لم يخطر ببالي أن تكون حقودة بهذا الشكل، وأقسم أنني لم أفكر بالزواج لأعوضك عن كل النقص.”
ضم وليد والده إليه وقال: “لقد كنت أبًا مثاليًا .”
ثم ضم وليد جده أبو خالد، وشعر بدفء لم يعهده من قبل وقال له “عندما كنا أطفال وكنت أرى زهراء معك “كنت أتمنى أن يكون لي جد يحبني مثلما تحبها.” ليضمه الجد إليه بحنان بالغ، وكأن هذه اللحظة كانت تعويضًا عن سنوات طويلة من الفقد.
دخل سليم قائلاً: “الطعام جاهز.” تبعوه إلى المائدة، وأكلوا في صمت، كل منهم غارق في أفكاره، مستعيدًا ما مر به من أحداث وصدمات. الأجواء كانت مشحونة، فالحقائق التي كُشفت للتو كانت ثقيلة على الجميع.
بعد أن أنهوا طعامهم، استعد كل منهم للخلود إلى النوم. “هل ستنام في غرفتي كما كنا في السابق؟” سأل وليد سليمًا، بنبرة تحمل ترقبًا خفيًا.
ابتسم سليم، مدركًا أن السرير قد لا يتسع لهما معًا. “لن يتسع السرير لكلانا،” قال.
لكن وليد أصرّ: “برأيي، يمكنك أن تجرب.” أدرك سليم أن وليد يريده بجانبه، ربما ليشعر بالأمان، أو ربما ليخبره بشيء ما في هذه اللحظة العصيبة.
“حسنًا، سأجرب،” قال سليم، موافقًا على طلبه.


