أحجار على رقعة الشطرنج : زهراء والسر الذي هزّ حوران

أحجار على رقعة الشطرنج  :الفصل الحادي عشر

أحجار على رقعة الشطرنج  : بلسم الروح الجريحة

كانت نظرات سليم تراقب زهراء بانكسار. لم تفلت منه تلك الارتعاشات الخفيفة التي تسري في جسدها بين الحين والآخر، ولا تلك النظرة الشاردة التي تخيم على عينيها الواسعتين. كان يعلم أن الجرح الذي أصاب روحها أعمق بكثير من أي كدمة ظاهرة، وأن الاغتصاب ترك ندوبًا غائرة في أعماقها.

حاول سليم أن يكون لطيفًا وحنونًا معها في كل تفصيلة. عند تناول الطعام، كان يقدم لها الأطباق بهدوء وتأنٍ، يراقب تعابير وجهها الرقيقة. لكن  ما إن تناولت زهراء بضعة لقيمات حتى شعرت بالغثيان يداهمها. تقلص وجهها شاحبًا، ووضعت يدها على فمها بسرعة.

“زهراء… هل أنتِ بخير؟” سألها سليم بلهفة وقلق.

لم تجبه، بل نهضت مسرعة نحو الحمام، تتبعها شهقات مكتومة. هرع سليم خلفها بخطوات قلقة، وسمع صوت استرجاعها المؤلم. وقف أمام باب الحمام للحظات، يشعر بالعجز والألم يعتصر قلبه لرؤية من يحب في هذا الوضع.

بعد دقائق خرجت زهراء من الحمام، تبدو أكثر شحوبًا وضعفًا. كانت عيناها دامعتين، وشفتاها ترتجفان. اقترب منها سليم برفق، ولف ذراعه حول كتفيها برقة.

“تعالي يا حبيبتي،” قال بصوت هادئ يملؤه العطف. “يجب أن تستريحي.”

أسندها برفق حتى وصلا إلى السرير، حيث مدّدها بلطف وغطاها . قبل جبينها برقة وهمس: “نامي يا عمري، تحتاجين إلى الراحة.”

ثم خرج من الغرفة بهدوء، وأشار إلى إحدى الخادمات أن تأخذ صينية الطعام. أمسك هاتفه واتصل بالطبيبة النسائية التي اعتادت العائلة التعامل معها. شرح لها بإيجاز حالة زهراء وما مرت به، وطلب

تحديد موعد في أقرب وقت ممكن. استمع إلى رد الطبيبة باهتمام، ثم أغلق الهاتف بعد أن حصل على موعد ليوم الغد.

عاد سليم إلى غرفة النوم، وجلس بهدوء على طرف السرير يراقب زهراء النائمة. كان وجهها شاحبًا، لكن ملامحها بدت أكثر استرخاءً وهي غارقة في النوم. تمنى لو كان بإمكانه أن يحمل عنها كل هذا

الألم، وأن يمحو من ذاكرتها تلك الليلة المشؤومة. لكنه كان يعلم أن الشفاء سيستغرق وقتًا وصبرًا . وكان مستعدًا لمنحها كل ذلك وأكثر، ليساعدها على استعادة قوتها وابتسامتها التي سلبتها منها يد الغدر.

تنهد سليم وجلس بحذر على طرف السرير بجانب زهراء النائمة. راقب تقلبات صدرها البطيئة المنتظمة، وتمنى لو كان بإمكانه الدخول إلى عالم أحلامها ومسح كل الكوابيس منها. مد يده ببطء وأزاح

خصلة شعر داكنة عن جبينها الشاحب، وشعر بقلبه ينقبض ألمًا.

بعد دقائق قليلة، اخترق صمت الغرفة صوت رنين هاتفه. نهض سليم بخفة حتى لا يزعجها، وأجاب بصوت منخفض: “نعم؟”

جاءه صوت جاد وواضح من الطرف الآخر: “سيد سليم؟ معك المحقق رائد.”

تجمد سليم للحظة. المحقق رائد هو المحقق الخاص الذي استأجره هو ووالده فلم يستطع كلاهما تقبل فكرة أن وفاة آدم كانت مجرد حادث سير مؤسف. كانت هناك تفاصيل مبهمة، وشعوردفين بالريبة ظل

يلاحقهما.

“نعم يا سيد رائد، تفضل.” أجاب سليم بنبرة متحفزة.

“لقد توصلت إلى بعض الأمور التي أعتقد أنها مهمة للغاية في قضية السيد آدم رحمه الله. أود أن أجتمع بك وبوالدك في أقرب فرصة ممكنة لمناقشتها.”

شعر سليم بنبضات قلبه تتسارع. “بالتأكيد يا سيد رائد. متى يناسبك؟”

“أنا متفرغ في أي وقت يناسبكما.”

فكر سليم للحظة. كان ذهنه مشغولًا بزهرة وحالتها، لكن هذا الأمر يتعلق بذكرى أخيه، ولا يمكن تأجيله. “سأتصل بك في غضون ساعة وأخبرك بالموعد والمكان المناسبين.”

“حسنًا يا سيد سليم. أنا في انتظار اتصالك.”

أغلق سليم الهاتف ببطء، وعاد بنظره إلى زهراء النائمة. كان هناك صراع داخله بين رغبته في البقاء بجانبها وبين الحاجة الملحة لمعرفة الحقيقة وراء موت أخيه.

توجه سليم إلى مكتب والده، وعلامات القلق بادية على وجهه. أخبره بما قاله المحقق رائد، وكيف أنه توصل إلى معلومات جديدة بخصوص قضية آدم. استمع عليّ بانتباه، ثم وضع يده على كتف ابنه بحنان.

“سأذهب بمفردي يا بني سألتقي به الساعه السابعة في فندق فور سيزن،” قال عليّ بنبرة حازمة. “أنت عريس الآن، وزهراء بحاجة إليكِ بجانبها. لا يجب أن تتركها وحيدة في هذه الظروف.”

حاول سليم الاعتراض، لكن والده قاطعه بحزم: “زهراء أولويتك الآن يا بني. سأخبرك بكل التفاصيل عندما أعود. فقط اهتم بزوجتك.”

تنهد سليم باستسلام، وأدرك أن والده محق. “حسنًا يا أبي،” قال سليم. “سأتصل بالمحقق وأخبره أنك ستلتقي به اليوم الساعة السابعة مساءً.”

عاد سليم إلى الغرفة، وأجرى الاتصال بالمحقق، محدداً له الموعد والمكان الذي اتفق عليه مع والده. بعد ذلك، توجه إلى الحمام ليغتسل، تاركًا وراءه عبء التوتر والقلق ولو قليلًا تحت دفء الماء.

خرج سليم من الحمام وهو يلف منشفة قصيرة حول خصره العريض، قطرات الماء تتلألأ على بشرته البرونزية. وقع بصره على زهراء الجالسة على حافة السرير، كانت تبدو فاتنة بجمالها الطبيعي، وشعرها الداكن ينسدل على كتفيها برقة. عند رؤيته، تورد خداها بخجل رقيق، وأخفضت عينيها للحظة.

ابتسم سليم لها بحنان، واقترب منها بخطوات واثقة. انحنى وقبل جبينها بلطف، ثم همس بصوته الدافئ: “كيف حالك صغيرتي؟”

رفعت زهراء عينيها إليه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة. “بخير… شكرًا لك.”

جلس سليم بجانبها على السرير، وأمسك بيدها برفق. “حجزت لكِ موعدًا غدًا عند الطبيبة النسائية.”

عند سماع كلماته، بدأت زهراء تفرك يديها بتوتر واضح. لاحظ سليم حركتها، وعرف على الفور أنها تخفي شيئًا أو تود قوله ولكنها مترددة وخائفة.

“قولي ما تريدين يا حبيبتي، لا تخافي مني.” قال سليم وهو يضغط على يدها برفق ليمنحها بعض الطمأنينة.

رفعت زهراء عينيها المثقلتين بالخوف والقلق وقالت بصوت خافت: “الجميع يعرف أننا تزوجنا البارحة… الكل سيسأل لماذا أنا حامل؟ لا أريد أن أرى نظرات العار في عيون الناس.”

أمسك سليم بوجهها بين كفيه برفق ونظر في عينيها مباشرة. “حبيبتي، عار ماذا؟ أنا زوجكِ وأنتِ تحملين طفلي. فكري بهذا فقط يا صغيرتي. أما بالنسبة للناس، سأخبرهم أننا تزوجنا عندما كنتِ في حوران، ولم نعلن ذلك حتى نحضر للعرس.”

قبلها سليم بحنان على شفتيها، فشعرت زهراء بدفء يسري في قلبها البارد. ابتسمت له بحنو وقالت: “شكرًا لك.”

ربت سليم على يدها وقال: “يا صغيرتي، لا تشكريني. أنتِ مسؤولة مني، والذي حصل ليس ذنبكِ.”

ردت زهراء بصوت مهزوز: “ولا ذنبك أنت.”

تنهد سليم وقال: “هذا قضاء وقدر. هيا يا حبيبتي، استَحِمي وتعالي، سأنتقي لكِ ملابس جميلة لترتديها.”

أجابته زهراء بصوت مطيع: “حسنًا يا سليم.”

ابتسم سليم بمرح وقال: “لا، لم نتفق هكذا. أنا أقول لكِ حبيبتي، صغيرتي، زهرتي، وأنتِ تقولين سليم.”

تورد خدا زهراء مرة أخرى وقالت بخجل: “حسنًا… سولي.”

أعجب سليم هذا اللقب الجديد، فانحنى وقبل شفتيها برقة ثم قال: “هيا يا صغيرتي، لا تتأخري.”

اتجه سليم نحو غرفة الملابس وأحضر لها لانجري أسود فاتنًا، عبارة عن فستان قصير، القسم العلوي منه مصنوع من الدانتيل الرقيق. ثم ارتدى سرواله وعاد إلى غرفة النوم، وجلس على السرير يتصفح هاتفه منتظرًا خروجها.

الفصل الثني عشر :أحجار على رقعة الشطرنج : دفء العائلة و قلق الانتظار