سلطان الأنا وملاك الصدق : الفصل الثالث

سلطان الأنا وملاك الصدق: تصادم الكبرياء مع الغرور والتكبر

تجمّعت الأنفاس في صالة المزاد. لم يكن صوت تحطّم المزهرية الصينية هو ما أثار فضول الحضور بقدر ما كان الهدوء الذي لفّ المشهد بعده.

“تباً.” كرر سلطان ببرود، وكأن الكلمة ليست سبّة، بل مجرد ملاحظة تجارية عابرة. لم يكلف نفسه النظر إلى مريم، بل ظل يحدق في قطع الخزف المتناثرة على الأرض.

سحب محفظة جلدية فاخرة من جيب سترته، واستخرج بطاقة ائتمانية سوداء لامعة. “كم ثمن هذه القطعة؟” سأل، موجهاً سؤاله إلى مدير المزاد المذعور الذي هرع إلى المكان. “أياً كان ثمنها، سأدفع ثلاثة أضعافه، وسأدفع تعويضاً لهذه…” توقف ونظر إلى مريم أخيراً، عينيه الرماديتين تلمعان بغطرسة واضحة، “… العاملة، لتنسى الأمر.”

كانت نبرته تحمل ثقل الحكم المطلق، وكأنه يلقي العملات المعدنية على متسول.

شعرت مريم بلهيب يصعد إلى وجنتيها، لم يكن غضباً طائشاً، بل كان شعوراً قاسياً بانتهاك إنسانيتها. لم يكن يراها خطأ بشرياً، بل عائقاً يمكن إزالته بالمال.

“أنا لم أطلب تعويضاً، يا سيدي.” نطقت مريم ببطء، صوتها كان هادئاً بشكل مريب، لكنه اخترق الصمت في القاعة كالرصاصة الباردة.

استدار سلطان ليواجهها بالكامل. لم يكن يتوقع رداً، خاصة من خادمة. نظر إليها من الرأس حتى القدمين، نظرة مليئة بالتحليل السريع والازدراء الواضح.

“التعويض ليس طلباً، بل هو ثمن الصمت. أنتِ تعرفين قيمة هذه القطعة، وأنا لا أحب الضجة. خذي المال واختفي.” قال وهو يمد يده ببطاقته السوداء.

تقدمت مريم خطوة نحوه، متجاهلة نظرات الحضور المندهشة. كان جسدها النحيل يتحدى هالة سلطانه العملاقة.

“يا سيدي، أنا لا أعمل هنا لأجل الصمت، ولا أعمل لأجل صدقة.” قالت مريم، وهي تلتقط قطعة صغيرة من الخزف المكسور من الأرض. “أنا أعمل لأجل كرامتي. والشيء الوحيد الذي كسرته هنا ليس المزهرية، بل هو الاحترام المتبادل.”

رفعت القطعة بين أصابعها ونظرت إليه مباشرة، عيناها الجميلتان تشتعلان بصدق لا يمكن شراؤه. “المال يشتري كل شيء في عالمك، أليس كذلك؟ لكن المال لن يستبدل هذه القطعة النادرة التي تحطمت، ولن يستبدل الشعور بأنني إنسانة لست مجرد أداة رخيصة لديك الحق في إهانتها.”

صُعق سلطان. لم يكن أحد في حياته قد تجرأ على الحديث معه بهذه اللغة، خاصة من شخص يقف على الدرجة الأدنى من السلم الاجتماعي. كانت مريم مختلفة؛ لم يكن في عينيها طمع، ولا خوف، فقط تحدٍ لا يخلو من الحزن.

“هل تحاولين رفع السعر؟” سأل سلطان، محاولاً العودة إلى منطق المال الذي يتقنه، معتقداً أن كبرياءها مجرد مناورة.

ابتسمت مريم بمرارة خفيفة، وأسقطت قطعة الخزف من يدها، لتستدير وتهم بالرحيل.

“السعر الوحيد الذي أبحث عنه هو أن تعتذر، لكنني أدركت الآن أنك فقير جداً على دفع هذا الثمن، فقير جداً بالروح.”

قبل أن تتمكن من الابتعاد، قبض سلطان على ذراعها بقوة مفاجئة. كانت المفاجأة، الغضب، والإعجاب المكبوت تتقاتل في عينيه. لقد أدرك أن هذه الفتاة الصغيرة بملابس الخدم قد نجحت فيما لم ينجح فيه أي منافس تجاري: هزّت غروره الأجوف.

“لن تذهبي،” همس لها، قريباً جداً من أذنها. “أنتِ لم تطلبي تعويضاً؟ حسناً. إذاً سأجعل عملك معي شخصياً. أريد أن أرى ما هي نقطة الضعف فيكِ التي تجعلكِ تضعين هذا القناع من الكرامة الزائفة.”

نظرت إليه مريم بذعر مختلط بتصميم. “دعني أذهب!”

“ستعملين لصالحي، يا مريم.” قالها وهو يتذكر اسمها من بطاقة تعريفها. “سأجد وظيفة تليق بـ’كبريائك’، وستأتين طواعية. ثم همس لنفسه فقط لأثبت لكِ ولنفسي أن كل إنسان لديه سعر، حتى أنتِ.”