سلطان الأنا وملاك الصدق : الفصل الأول

سلطان الأنا وملاك الصدق: عوالم سلطان ومريم المتوازية

كانت عقارب الساعة في قاعة اجتماعات سلطان الأسعد تشير إلى الثالثة فجرًا. لم يكن الوقت متأخرًا بالنسبة له، بل هو ذروة التركيز. كانت القاعة تطفو حرفياً فوق المدينة، في الطابق المئة والأخير من برج “الأسعد” الزجاجي، حيث لا تصل أصوات البشر أو ضوضاء الطرقات، فقط همسات الأرقام الهائلة.

جلس سلطان خلف طاولة زجاجية ضخمة، تتوهج من شاشات تعمل باللمس تعرض أسواق المال العالمية. كان يرتدي بدلة داكنة خالية من أي تجعيد، وأكمامه مطوية بإتقان ينم عن انضباط لا يرحم. لم يكن مجرد رجل أعمال، بل كان أشبه بآلة حاسبة بشرية. وجهه الوسيم منحوت بحدة وقسوة، وخلف عينيه الرماديتين برودٌ جليدي يزن قيمة كل شيء وكل شخص.

“هل أُغلق ملف الاستحواذ بالكامل؟” سأل مستشاره القانوني الذي جلس على الطرف الآخر من الطاولة، صوت سلطان كان منخفضاً لكنه يحمل ثقل الإمبراطوريات.

“نعم سيدي. العملية تمت بسلاسة. لقد أخذنا حصة السوق كاملة في أوروبا الشرقية.”

أومأ سلطان. لا شيء يفرحه سوى السيطرة المطلقة. كان يعيش على مبدأ أن الضعف هو الموت البطيء، والقوة هي فقط ما يضمن البقاء. الحب؟ المشاعر؟ كانت مجرد هلوسات رقيقة تُركت لأولئك الذين لا يملكون ثمن سيارته. أغلق الشاشات بلمسة، ونظر إلى المدينة النائمة في الأسفل، وكأنه يراقب مملكته. شعر بالرضا المعتاد: رضاء الوحدة المُطلقة والسيطرة التي لا تُنازع.

وفي الوقت نفسه، وعلى بُعد كيلومترات في الأحياء الشعبية القديمة، كان الصدق يتنفس بين أربعة جدران متعبة.

الساعة كانت أيضًا الثالثة فجرًا، لكنها لم تكن ساعة العمل؛ كانت ساعة الكفاح. مريم كانت تجلس على مكتب خشبي متهالك، أضواء مصباح صغير منزوية تلقي ظلالاً على كومة من الكتب الجامعية والمجلات المدرسية التي تصححها. رائحة القهوة الرخيصة والخبز القديم تملأ الغرفة، لكنها لم تلاحظها. كانت غارقة في واجباتها.

كانت مريم تدرس االلغة العربية بجامعة حكومية، وتحمل عبء عائلتها على كتفيها النحيلتين. والدها مريض ولا يستطيع العمل بانتظام، ووالدتها تكافح لتدبير شؤون المنزل. لهذا، كان يومها ينقسم إلى ثلاثة أجزاء مُرهقة:

  1. الصباح: الجامعة والمحاضرات التي يجب ألا تتأخر عنها.
  2. الظهيرة والمساء: العمل في مكتبة صغيرة متواضعة، حيث تلتقي بأشخاص بسطاء يستعيرون منها دفء كلماتها.
  3. الليل: العمل الحرّ الإضافي، تصحيح الأوراق والمقالات بأسعار زهيدة، حتى تتمكن من تغطية العلاج والإيجار.

في تلك الليلة، شعرت مريم بوجع خفيف في ظهرها من الجلوس المتواصل. فركت عينيها الجميلتين المتعبتين. لم تكن جميلة الجمال الصارخ، لكن وجهها كان ينبض بالبراءة والذكاء والسكينة التي تأتي من الرضا.

نظرت إلى صورة والدها مبتسماً وهي تهمس: “القليل بعد، يا أبي. سنتجاوز هذا.”

بالنسبة لمريم، الكرامة كانت أثمن من أي ثروة. لم تكن تحلم بالقصور أو المال، بل تحلم فقط باليوم الذي تستطيع فيه النوم دون قلق من الديون، واليوم الذي تستطيع فيه أن تعطي دون أن تستنزف.

فجأة، رنّ هاتفها. كانت رسالة من مديرة المعرض الفني: طلبوا عمال للمساعدة في ترتيب وتنظيم مزاد ضخم ليلة الغد، والأجر مضاعف.

تنهدت مريم وهي تنظر إلى كومة المصروفات. المال يعني إنقاذ والدها فهو يحتاج عملية جراحية ضرورية. المال يعني التخلي عن ليلة نوم واحدة إضافية.

وافقت على الفور، غير مدركة أن خطوتها نحو ذلك المال ستدفعها مباشرة إلى عالم سلطان الأسعد، وأنها على وشك أن تلتقي بالرجل الذي يرى الكرامة سلعة، و بالرجل الذي سيُحطم أغلى ما تملك في حياتها.