خضوع الصغيرة لجبروت القاسي : خيارين أحلاهما مر .
كانت تالا فتاة صغيرة، لم تتجاوز الرابعة عشر من عمرها، ولكن الفقد طرق بابها مبكرًا. في يومٍ مشؤوم، غادرت ضحكات والديها منزلهم. حادث سير أليم خطف منهما الحياة، وترك تالا وحيدة في هذا العالم.
وبعد انتهاء مراسم العزاء، وجدت تالا نفسها أمام خيارين أحلاهما مر فقدعرض عليها عمها، الذي كان يحبها كثيرًا، أن تنتقل للعيش معهم. لم تكن تالا غريبة عن بيت عمها، فلطالما كانت تزوره وتلعب مع أولادهم. كان يعاملها كابنته تمامًا، وكانت زوجته حنونة عليها، ولطيفة معها.
وفي المقابل، جاء رفض قاطع من عائلة والدتها، معللين ذلك بانشغالهم وبُعد منزلهم عن مدرسة تالا. وهكذا، فتح دار الأيتام أبوابه ليصبح خيارًا آخر أمامها.
أثارت حيرة تالا دهشة الجميع، فبعد أن عاشت ليلة طويلة تفكر فيها بكل كلمة قالها عمها، وكل موقف حدث معها في الماضي، قررت تالا أن تختار دار الأيتام. كان قرارها صادمًا ومحيرًا لجميع أفراد العائلة، خصوصًا عمها.
سألها عمها بقلب موجوع: “لماذا يا صغيرتي؟ ألا تحبينني؟ أنا وأولادي نرحب بك، ونحن نعتبرك فردًا من عائلتنا”.
نظرت تالا إليه بعيون مملوءة بالدموع وقالت: “عمي الحبيب، أنا أحبكم كثيرًا، ولكنني لا أريد أن أكون سببًا في حرمان أولادك من حبك واهتمامك. أرى في عينيك أنك تخاف على أولادك من أن تُنقص عليهم حقوقهم لأجلي. أنا لا أتحمل أن أكون عبئًا على أحد”.
وهكذا، دخلت تالا إلى دار الأيتام، وهي مقتنعة تمامًا بقرارها وفي أول ليلة لها في دار الأيتام استرجعت شريط ذكرياتها الأخير.
فلم يكن قرارها بالذهاب إلى دار الأيتام سهلاً أو عفويًا، بل كان نابعًا من خوف عميق.
فقد تذكرت تالا معاملة ابن عمها الأكبر لها. كان يبدو لطيفًا أمام الجميع، لكنه كان يستغل فرصة انفراده بها ليعذبها بأساليب غريبة.
و في إحدى ليالي العزاء، دخل إلى غرفتها بينما كان الجميع نائمين، وهمس في أذنها بتهديد قاسٍ: “إذا قررتِ العيش معنا، سأجعل حياتك جحيمًا، وسأعذبك بطرق لم تخطر على بالك”.
كانت تالا تخاف من ابن عمها، وتخضع لتهديداته، فقد كانت ترى أن حمايتها لنفسها من العذاب الذي يهددها به أهم من أي شيء آخر. تراودت إلى ذهنها طرق التعذيب التي كان يمارسها عليها نفسيًا وجسديًا. قررت أنها لا تستطيع تحمل المزيد، وأن الذهاب لدار الأيتام هو خيارها الوحيد للنجاة من هذا الجحيم.


