سلطان الأنا وملاك الصدق : الفصل الثاني

سلطان الأنا وملاك الصدق : ثمن ليلة واحدة

كان ضوء الصباح الباهت ينسل بالكاد من نافذة شقة مريم الصغيرة، حاملاً معه برودة هادئة. لم تكن الساعة تشير إلى السابعة صباحاً بعد، لكن مريم كانت قد أنهت جزءاً كبيراً من عملها الصباحي. لم تكن حياة مريم تترك مجالاً للترف، حتى ترف النوم الطويل.

انتهت من تحضير إفطار خفيف لوالدتها، ثم توجهت إلى غرفة والدها المريض. جلست بجانبه تبتسم ابتسامتها الهادئة التي اعتادت أن تطمئنه.

“كيف حالك اليوم يا أبي؟” سألت بصوت خفيض، وهي تضع يده النحيلة بين كفيها الدافئتين.

“أفضل يا ابنتي… طالما أنتِ بخير، أنا بخير.” أجاب الأب بصوت متقطع. “أعلم أنكِ تعملين بجد، لكن لا ترهقي نفسكِ من أجلي. لا أريد أن تضيع دراستكِ.”

“دراستي بين يدي، وعملي معي، لا تقلق أبداً.” كذبت عليه كذبة بيضاء مُحببة، وهي تجهز له الأدوية. كانت تعلم جيداً أن هذا اليوم، الذي ستتغيب فيه عن محاضرة هامة في النقد الأدبي، هو ثمن الدواء الذي سيتناوله. كانت معادلة الحياة بالنسبة لها دائماً: شيء مقابل شيء.

بعد أن ساعدت والدتها في ترتيب المنزل وتنظيفه، دخلت مريم إلى غرفتها. نظرت إلى كتبها المفتوحة، وتحديداً كتاب النقد الأدبي الذي كان من المقرر أن تناقشه اليوم في الجامعة. تنهدت بألم خفيف. كان الشعور بتفويت فرصة علمية ثقيلاً على روحها المتعطشة للمعرفة، لكن عبء المسؤولية كان أثقل.

أخرجت من خزانتها سروال عمل داكناً وقميصاً أبيض بسيطاً. كان زي العمل المؤقت الذي طلبته إدارة المزاد. لبست الرداء، وربطت شعرها الأسود الداكن بعناية، ثم نظرت إلى نفسها في المرآة. لم يكن رداء أنيقاً، بل رداء خدمة، لكنها كانت ترتديه باعتزاز؛ لأنه ثمن كرامتها وكرامة عائلتها.

تناولت حقيبتها الصغيرة التي تحتوي على محفظتها وهاتفها القديم، ووضعت في داخلها بطاقة الجامعة. كانت مثل الشاهد الصامت على القرار الذي اتخذته اليوم.

“أمي، أنا ذاهبة إلى العمل. المزاد في صالة الـ(أركاديا)، سأعود متأخرة الليلة، فلا تقلقي.”

“ابحفظ الله . انتبهي لنفسكِ، ولا تنسي أن تأكلي جيداً.” قالت الأم وهي تقبل جبينها بقلق.

خرجت مريم من باب الشقة، وتركت خلفها دفء منزلها الفقير وبراءته، لتتوجه إلى عالم آخر لم تعتده: عالم البذخ والفخامة، حيث تُباع وتُشترى كنوز العالم.

كانت “صالة أركاديا للمزادات” مبنىً شامخاً يتوسط المدينة، مغلفاً بالزجاج اللامع والرخام البارد. كان مكانًا يفوح منه رائحة المال القديم والذوق الرفيع. حينما وصلت، ارتدت بطاقة التعريف المؤقتة وبدأت عملها على الفور.

تولت مريم مسؤولية الإشراف على إحدى الزوايا الهادئة في القاعة الرئيسية. كانت مهمتها بسيطة: التأكد من ترتيب المعروضات وعدم اقتراب أحد منها دون إذن. في زاوية مريم، كان يقف تمثال برونزي صغير يعود للعصر الروماني، وبجانبه كانت توضع مزهرية خزفية صينية تعود لأسرة مينغ. كانت ذات قيمة باهظة، وكان عليها أن تكون حذرة للغاية.

كانت القاعة تمتلئ تدريجياً بكبار الشخصيات. رجال في قمم الأناقة ونساء يرتدين مجوهرات تضيء المكان، وكل منهم يتحدث بهمس واثق عن آخر الصفقات أو أعلى الأسعار. شعرت مريم بالانفصال التام عن هذا العالم، كانت كالزهرة البرية التي نبتت في حديقة ملكية؛ غريبة لكنها لم تكن خائفة.

في هذه الأثناء، دخل سلطان الأسعد القاعة. لم يكن يدخل، بل كان “يحتل” المكان. كانت هالة من السلطة تُحيط به، يتبعها فريق من مساعديه وبعض رجال الأعمال الذين يتسارعون لالتقاط كلماته. كانت حركته سريعة، وعيناه لا تلمحان أحداً من الخدم أو العمال. كان قد أتى لأمر واحد: إنهاء صفقة عقارية ضخمة مرتبطة بشراء بعض التحف كغطاء استثماري.

كان يتحدث في هاتفه بلهجة حادة، يوجه الأوامر ويغلق الخط. كان في حالة من التركيز المطلق، محصّنًا بغروره وعجلته، وغير واعٍ تمامًا بالرداء الأبيض الذي يقف على بعد أمتار منه يحمي تحفاً لا تعني له شيئاً سوى الأصفار التي ستضاف إلى حسابه وعدد ممتلكاته الذي سيزيد.

تقدم سلطان بخطوات سريعة نحو المكان الذي يقف فيه مستشاره، وحينما كان يستدير ليلقي نظرة أخيرة على التحفة الصينية التي يخطط لشرائها، حدث الأمر الذي لا يمكن للأرقام أن تحسبه: اصطدمت كتفه بكتف مريم بقوة غير متوقعة.

فجأة، اهتزت الأرض تحت قدمي مريم. وفي لحظة بطيئة ومروعة، سمعت صوت سقوط قاسٍ، وتحطم الزجاج الملون على أرضية الرخام الباردة.

مزهرية مينغ الصينية لم تعد موجودة.

نظر سلطان إلى الحطام، ثم نظر إلى مريم، وعاد لينظر إلى ساعته الثمينة. لم يكن هناك أي ندم أو قلق، فقط إزعاج طفيف.

“تباً.” قال سلطان بهدوء شديد، وهو يجذب أنفاس الجميع. “أنتِ، ايتها السيدة. كم ثمن هذه القطعة؟”

لم تكن مريم قادرة على النطق بكلمة، لكن غضبها من الغطرسة التي تتجاهل وجودها كإنسان اشتعل في عينيها. لم تكن تعرف أن حياتها الهادئة قد اصطدمت للتو بأعنف عاصفة من الكبرياء.

Tags: No tags

Comments are closed.