أحجار على رقعة الشطرنج : شبح الماضي
تركت نور وليد في صمت، وغادرت الشقة تاركة وراءها مزيجًا من المشاعر المتضاربة. بينما بقي وليد وحيداً في شقته، غارقًا في دوامة أفكاره. دخل إلى غرفة النوم، ووقعت عيناه على مفارش سريره حيث دليل عذرية نور.
ليشعر بتأنيب ضمير إحساس غريب لم يعهده منذ زمن بعيد ولكن سرعان ما تجاهله، فقد اعتاد على قمع أي مشاعر قد تعرقل طريقه و انتزع المفارش بحدة ووضعها في الغسالة، ثم اتجه ليأخذ حماماً ساخنًا، محاولًا غسل ليس فقط جسده، بل أيضًا بقايا هذه الليلة من ذاكرته.
عاد إلى فراشه، لكن النوم لم يأتِ بسهولة فبدأت ذكريات طفولته تداهمه، صور لوالدته وكيف أثرت فيه قسوتها. ثم تلاها شريط ذكريات لقائه الأول بنور، وبداية علاقتهما المعقدة حتى ما حصل اليوم . تقلب في فراشه طويلًا، حتى غلبه النعاس أخيرًا وغط في نوم عميق، يحمل في طياته أشباح الماضي.
بينما كان وليد يشاهد الفيديو، لفته شيء لم يلاحظه من قبل: تفاصيل وجه نور التي كانت تخفيها دائمًا بالمكياج الصارخ الذي تضعه. رأى ملامح نعومة وجمال طبيعي تخفيها تلك الطبقات الثقيلة. قرر أن يستغل هذا الاكتشاف الجديد لصالحه، فأرسل لها رسالة: “غداً صباحاً أنتظرك في سريري. مفتاح الشقة معك. إياك أن تضعي أي مساحيق تجميل.”
في هذا الوقت، كانت نور في فراشها تبكي بحرقة. كانت تبكي حظها العاثر، وحبها لشخص لا يبادلها نفس الشعور، تبكي قمع أهلها ومقارناتهم القاسية بينها وبين غيرها. فجأة، لمعت في عينيها شرارة تصميم. قررت أن تصبح شخصًا آخر، أن تتخلى عن كل الأذى والكره الذي ملأ قلبها.
لكن تصميمها هذا لم يدم طويلاً، فقد استفاقت على رسالة وليد، وليد الذي تعشقه. لم تستطع رفض أوامره، فأرسلت له: “كما تريد.”
أرسل لها وليد قلبًا أحمر، فزادت دموعها حرقة. فهمت أنه يستهتر بها، ويعاملها كأداة لا أكثر. قررت أن لا ترد على رسالته. استفز تصرفها هذا وليد، فما كان منه إلا أن اتصل بها وبدأ بتوبيخها. قالت له ببرود: “ماذا تريد أن أكتب لك؟” استفز برودها أكثر، فقال: “لا شيء. غدًا سأعلمكِ ماذا تقولين لي.”
“كما تريد سيدي.” قالت نور ببرود يائس.
“سيدي؟” قال وليد بذهول طفيف.
“ألستُ جاريتك؟ هكذا تراني؟” ردت نور، صوتها يخفي مرارة عميقة.
تجاهل وليد وخزة الشعور بالذنب التي انتابته. “أجل، أنتِ كذلك وهكذا أراكِ. جاريتي وخادمتي وعاهرتي.”
ابتلعت نور الغصة والذل الذي شعرت به، وحاولت جاهدة أن تبدو طبيعية. “نعم، أنا كذلك. أعتذر منك. غدًا سأكون في شقتك. إلى اللقاء.”
أغلقت نور الخط، وتركت وليد في حالة ذهول. قبل لحظات، كانت تتوسل إليه ألا يراها عاهرة، كانت ترجوه أن يتركها بجانبه. ماذا حدث ليغيرها بهذه السرعة؟ هذا البرود المفاجئ، وهذا الاستسلام الهادئ استفزاه أكثر مما كان يتوقع.
ثارت ثائرته، فبدأ يكسر كل شيء في غرفته، يرمي بالأشياء ويصيح في الفراغ، حتى شعر بالإرهاق الشديد وانهار على الأرض ليغط في نوم عميق، نوم أقرب إلى الإغماء.
استيقظ في الصباح، وعلى وجهه علامات الإرهاق. نظر حوله فوجد غرفته نظيفة ومرتبة تمامًا، وكأن شيئًا لم يحدث. لم يكن هناك أثر للفوضى التي أحدثها ليلًا.
ابتسم وليد بخبث وهو يرى غرفته نظيفة ومرتبة. في تلك اللحظة، دخلت نور وبيدها صينية الفطور مع كوب من القهوة. كانت ترتدي فستانًا جميلًا غير فاضح يظهر شكل جسدها، ولم تضع أي مساحيق تجميل. شكلها هذا أثار وليد، لكنه قرر أن يكمل إهانتها.

“خادمة مطيعة! تعالي.” قال وليد بنبرة متعجرفة.
اقتربت نور، وتجمعت الدموع في عينيها. وضعت الصينية جانبًا وبدأت بإطعامه كأنه طفل صغير، في محاولة يائسة لكبت كرامتها المهانة.
قررت نور أن تنفذ كل ما يريده وليد، مدفوعة بخوفها الشديد من الفضيحة التي هددها بها. لكنها في داخلها، أقسمت ألا تسمح له بالاقتراب منها مجددًا بأي شكل حميمي.
قرر وليد استفزازها. وضع يديه على منطقة حساسة من جسدها وسألها بسخرية: “هل ما زلتِ تشعرين بالألم؟”
شعرت نور بغصة وذل لا يوصفان. ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت بالكاد يُسمع: “لا يا سيدي، أنا بخير.”
ابتسم وليد بخبث: “إذًا، هل تستطيعين تحمل جولة جديدة؟”
ابتعدت عنه نور بسرعة، فتفوه بضحكة عالية مليئة بالاستهزاء.
“حضري لي الحمام!” قال وليد بنبرة آمرة، وعيناه لا تزالان ترمقان نور ببرود.
“كما تريد…” بدأت نور تجيبه، لكن وليد قاطعها بحدة:
“قولي: ‘أمرك سيدي’، فأنتِ جاريتي.”
ابتلعت نور غصتها بصعوبة، وشعرت بدموع جديدة تتجمع في عينيها.
“أمرك سيدي.” ردت نور بصوت بالكاد يُسمع، وقد استسلمت لمرارة الوضع. “كيف تريد الماء؟”
“ساخن.” أجاب وليد ببرود.
ذهبت نور لتنفيذ طلبه. بعد قليل، تبعها وليد إلى الحمام، عاريًا بالكامل. لم تستطع نور إخفاء مشاعرها المتضاربة؛ ففي أعماقها، كانت لا تزال تحبه. لكنها تداركت نفسها بسرعة، وحاولت الهرب من هذا الموقف المهين قائلة: “سأذهب وأجهز ملابسك.”
“لا،” قال وليد بحدة، “تعالي وحمّميني.” وعيناه تراقبانها بحدة.


