أحجار على رقعة الشطرنج : زهراء والسر الذي هزّ حوران

أحجار على رقعة الشطرنج : الفصل السادس

أحجار على رقعة الشطرنج :اعترافات مؤلمة وخيوط مؤامرة تنكشف

طلب عليّ من حنان أن تأتي إلى المكتب، وأن تحضر معها زهراء. كانت الأجواء متوترة، والصمت يخيم على المكان. عندما دخلت حنان برفقة زهراء الشاحبة، طلب عليّ منهما الجلوس.

بدأ عليّ حديثه موجهًا كلامه لزهراء بنبرة هادئة لكنها جادة: “يا ابنتي، لقد تحدثنا مع جدك، وربطنا بعض الأحداث التي وقعت. عندما علمنا أن المزرعة التي استيقظتِ فيها تعود لنا، زاد الشك في قلبي.

الموضوع ليس قضية اغتصاب فقط ، بل يبدو أنها مؤامرة مدبرة.”

توقف عليّ للحظة، ثم تابع بجدية: “الشخص الذي خدّركِ وأخذكِ إلى المزرعة، قام أيضًا بوضع مخدر ومنشطات جنسية للشخص الذي اعتدى عليكِ. تغيير ملابسكِ كان جزءًا من تلك الفكرة الخبيثة،

ليضمنوا عدم قدرة الشاب على تجاهل جمالكِ وهو تحت تأثير المخدر وربما كانوا يريدون أذية أكبر لك وله .”

نظرت زهراء إلى عليّ بصدمة وحزن عميقين، وعيناها تترقرقان بالدموع.

تنهد عليّ بحزن بالغ وقال: “يا ابنتي… الشاب الذي فعل ذلك… هو سليم، ابني.”

صرخت حنان بفزع: “ماذا تقول يا عليّ؟”

أوضح عليّ لحنان وزهراء: “عندما عاد سليم من حوران في المرة الماضية، كان مضطربًا للغاية، وكأن كارثة حلت به. ومنذ ذلك الوقت وهو شارد الذهن. اليوم تحدثنا مطولًا، وقصّ عليّ ما حدث

بالضبط في تلك الليلة.”

ثم التفت إلى زهراء وقال بأسف: “أعلم أن الحقيقة قاسية ومؤلمة يا ابنتي، ولكن هذا ما حصل. أنتِ الآن في بيتنا، وفي أمان.”

ثم طلب عليّ من سليم، الذي كان يقف متوترًا في زاوية الغرفة، أن يدخل. نظرت زهراء إلى سليم بصدمة وذهول، وتذكرت رؤيتها له عندما استيقظت في صباح ذلك اليوم المشؤوم.

دخلت زهراء في حالة انهيار تام. بدأت ترتجف بعنف، ثم انطلقت صرخات مكتومة من صدرها تحولت إلى عويل مؤلم. بدأت تكسر كل ما تطاله يداها، الكتب والأشياء الموجودة على الطاولة.

صعقت حنان من ردة فعلها الهستيرية، وحاولت تهدئتها دون جدوى.

في تلك اللحظة، تقدم سليم بخطوات مترددة وضمّ زهراء إلى صدره بإحكام. انهارت زهراء بين ذراعيه، تبكي بحرقة وقهر، بينما كان سليم يهمس بكلمات الاعتذار المتكررة:

“أقسم لكِ أنني لم أكن في وعيي… أقسم أنني سأعرف من الفاعل وسأنتقم منه شر انتقام.”

استمرت زهراء في البكاء الهيستيري لفترة طويلة، جسدها ينتفض بعنف بين ذراعي سليم المصدوم. كان سليم يردد كلماته المتأسفة واعتذاراته الممزوجة بالقسم، بينما كان عليّ وحنان يتبادلان نظرات

الشفقة والألم وهما يشاهدان هذا الانهيار الموجع.

بعد فترة طويلة، بدأت حدة بكاء زهراء تخف تدريجيًا، وتحولت شهقاتها العالية إلى أنين مكتوم. رأى عليّ أن الوقت قد حان لمنحهما بعض الخصوصية، فأخذ حنان برفق خارج الغرفة، تاركًا سليم

وزهراء وحدهما في المكتب الفخم.

ظل سليم محتضنًا زهراء برفق، يشعر بقلبها المثقل بالأوجاع ينبض ببطء تحت ذراعيه. بعد لحظات صمت طويلة، أخذها برفق وأجلسها على كنبة جلدية كبيرة في المكتب، وظل جاثيًا على ركبتيه

أمامها، ممسكًا بيديها الباردتين.

كانت عينا كل منهما شاخصتين في الفراغ، غارقين في بحر من الأفكار المتضاربة والمشاعر الجياشة. أخيرًا، كسر سليم الصمت بنبرة خفيضة مليئة بالأسى: “أعلم أن الوقت الآن ليس مناسبًا للحديث

عن التفاصيل المؤلمة التي مررتِ بها.

لكن يجب أن تعلمي شيئًا واحدًا… لم أكن بوعيي في تلك الليلة المشؤومة.

وعندما استيقظت لم أجدك  توقف سليم للحظة، ثم تابع بصدق وألم: “وكل هذه الفترة… منذ عدت من حوران وأنا أشعر بشيء خاطئ. كنت أبحث عن الحقيقة، أحاول أن أفهم ما حدث في تلك الليلة التي لا

أذكر منها شيئًا واضحًا.”

استمعت زهراء إلى كلماته بصمت مطبق، وعيناها مثبتتين على الفراغ أمامهما، دون أي ردة فعل ظاهرة. كانت كلماته تخترق حاجز الصدمة الذي يحيط بقلبها، لكنها كانت لا تزال غارقة في بحر من

الألم والذهول، عاجزة عن معالجة كل هذه الحقائق المروعة التي تكشفت أمامها للتو.

بعد الهدوء النسبي الذي خيم على المكتب بعد انهيار زهراء، شعر عليّ بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه. لم يكن الأمر مجرد جريمة اغتصاب، بل كانت هناك خيوط مؤامرة واضحة تشير إلى أعداء

العائلة ورغبتهم في الانتقام.

استدعى عليّ خبرته الطويلة في العمل العسكري، وبدأ في ترتيب الأفكار وربط الأحداث ببعضها.

قرر عليّ التحرك بسرعة اتصل ببعض معارفه القدامى في الأجهزة الأمنية، طالبًا منهم معلومات سرية حول أي تحركات مشبوهة أو عداوات قديمة تستهدف عائلته. بدأت تظهر بعض الأسماء التي

أثارت شكوكه، وعلى رأسها اسم وليد وعائلته، العدو اللدود الذي تسبب في الماضي بمأساة لعائلة عليّ.

الفصل السابع :أحجار على رقعة الشطرنج : ليلة الاعترافات المدوية