خاضعة ولكن :الخاضعة تيا

خاضعة ولكن : الفصل الخامس

خاضعة ولكن : كشف الأوراق

كانت تيا تنتظره بقلبٍ يجمع بين الترقب والحماس، تتساءل عن وجهة القاسم بعد ما حدث في مكتبه. خرجت معه من مبنى الشركة وذهبا  في سيارته الفاخرة حيث انطلقت السيارة بسلاسة

عبر شوارع المدينة المزدحمة، متجهة نحو الساحل. كانت الشمس بدأت تميل نحو المغيب، تلقي بظلالها الذهبية على المباني الشاهقة. لاحظت تيا أن القاسم

كان يقود بهدوء غير معهود، وعيناه تركزان على الطريق، لكنها شعرت بنظرته الخفية التي تتسلل إليها بين الحين والآخر.

وصلت السيارة إلى ميناء خاص، حيث رست مجموعة من اليخوت الفاخرة. توقفت سيارة القاسم أمام أحدها، وكان يختاً أبيض ضخماً يلوح في الأفق كقصر عائم. ترجل القاسم من السيارة،

ومدّ يده لتيا، ثم قادها نحو اليخت “مفاجأة يا صغيرتي،” قال القاسم بصوت خفيض، وقد ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه. “جولة بحرية في نصف النهار. اعتقدت أنكِ بحاجة لبعض الهواء

النقي بعد كل ما حدث صعدت تيا إلى اليخت، وشعرت بالانتعاش يلفّها فوراً. كان اليخت فاخراً من الداخل، مع أثاث عصري ومساحات واسعة.

خاضعة ولكن : كشف الأوراق

توجه القاسم بها إلى سطح اليخت، حيث كان هناك منطقة جلوس مريحة تطل على البحر مباشرة.

أقلع اليخت بهدوء، تاركاً ضوضاء المدينة وراءه. كان صوت الأمواج المتلاطمة هو الوحيد الذي يكسر الصمت، بالإضافة إلى صوت الرياح الخفيف الذي يلاعب شعر تيا.

جلس القاسم بجانبها، ولم يتحدثا لبعض الوقت، فقط استمتعا بمنظر البحر الشاسع، والأفق الذي بدأ يكتسي بألوان الغروب الوردية والبرتقالية.

“هل استمتعتِ بالعقاب يا صغيرتي؟” كسر القاسم الصمت، ونبرته تحمل مزيجاً من الجدية والمرح.

احمرّت وجنتا تيا خجلاً، وأجابت بصوت بالكاد مسموع: “لا أعلم سيدي… كان… كان غريباً.”

ابتسم القاسم ابتسامة واسعة هذه المرة، وضع يده على يدها، وربت عليها بلطف. “غريب؟ هل كان سيئاً؟”

“لا،” قالت تيا بسرعة، ثم أضافت بتلعثم: “لم يكن سيئاً… ولكن… كان مفاجئاً.”

تنهد القاسم، ثم قال بصوت أكثر جدية: “أعلم أن الأمر قد يبدو قاسياً، ولكن هذا هو أسلوبي يا تيا. يجب أن تعلمي جيداً أنكِ ملكي، وأنني لن أسمح لأي كان بالاقتراب منكِ أو النظر إليكِ

بطريقة لا تعجبني نظرت تيا إليه، ورأت في عينيه مزيجاً من السيطرة والحماية. شعرت بشعور دافئ يغمرها، رغم كل ما حدث. “أفهم سيدي،” قالت، “ولكن عمار… لم أكن أعلم أنه سيفعل ذلك.”

“أعلم ذلك يا صغيرتي،” قال القاسم، وقد تغيرت نبرته إلى الهدوء الذي يخفي ورائه قسوة باردة. “عمار، هو ابن عم والدتي، وعداوتي معه قديمة وتتجدد في كل فرصة.

هو رجل يحب السيطرة، ويرى في كل شيء حوله أداة لتحقيق مآربه. لا يهمني إن كان معجباً بكِ أم لا، كل ما يهمني أنه حاول أن يستغلكِ ليثير غضبي.”

اقترب القاسم منها أكثر، ثم رفع كفّ يده الأخرى ليلمس خدّها برفق. “ولكنني لن أسمح له بذلك. أنتِ ملكي، وأنا لن أشارككِ مع أحد.”

شعرت تيا بقلبها يخفق بقوة، هذه المرة ليس خوفاً، بل من قوة مشاعر القاسم تجاهها. أدركت أن هذا الرجل لا يمزح، وأن كلماته تحمل وزناً حقيقياً.

بعد لحظات من الصمت المريح، سألت تيا، وقد لمع الفضول في عينيها: “سيدي، لمن المكتب  الذي أخذتني إليه في الشركة؟”

ابتسامة خبيثة ارتسمت على شفتي القاسم، وقد أدرك مقصدها. حاول أن يراوغها ببراعة: “مكتب؟ أي مكتب تتحدثين عنه يا صغيرتي؟ هل كنتِ تتخيلين أشياءً اليوم؟”

أجابت تيا بابتسامة خجولة، وقد أدركت أنه يتظاهر بالجهل: “المكتب الذي عاقبتني به، سيدي.”

انحنى القاسم عليها قليلاً، ونظر في عينيها مباشرة، وبصوت خفيض حمل نبرة دافئة وشريرة في آن واحد: “آه، ذاك المكتب… ذاك يا صغيرتي، ليس مجرد مكتب.

إنه المكان الذي تتجلى فيه سلطتي، وتذعنين فيه لأوامري لم تتمالك تيا نفسها من السؤال الذي كان يلحّ عليها: “ألم تخف أن يدخل أحد ونحن في تلك الوضعية، سيدي؟”

تنهد القاسم، ثم قال بنبرة تحمل بعض التوبيخ الممزوج بالدلال: “صغيرتي، لا أريد أن تقولي ‘سيدي’ في كل جملة.” ثم استطرد بثقة تامة: “لا، لم أخف. فالمكتب مكتبي.”

نظرت تيا إليه باستفهام: “مكتبك؟”

“نعم يا صغيرتي،” أكد القاسم بابتسامة غامضة. “الشركة التي تعملين بها نصف أسهمها لي. أديرها عن بُعد لأنني أثق في آدم، المدير التنفيذي. أما وجود عمار، فلا أفضله بالطبع،

لكنني حرصت أن يكون عدوي بالقرب مني لأعلم ماذا يخطط.”

اتسعت عينا تيا بدهشة، فقد كانت تعمل في هذه الشركة منذ فترة ولم يخطر ببالها قط أن القاسم يمتلك نصفها. شعرت وكأن خيوط المؤامرة تُنسج حولها ببطء، وأنها جزء من لعبة

أكبر بكثير مما كانت تتصور.

“إذاً أنت تعرفني من الشركة؟” سألت تيا، وقد لمعت في عينيها شرارة فهم جديد.

ضحك القاسم بصوت عالٍ، ضحكة رجولية دافئة ملأت المكان، كأنها تعانق قلب تيا. “نعم يا صغيرتي. أعرفكِ جيدًا … وأعرف عنكِ كل شيء.”

 اقتربت تيا من القاسم، ووضعت رأسها برقة على صدره. تفاجأ القاسم من فعلتها، لكنه لم يتردد لحظة، فضمها إليه بقوة، وكأنها قطعة منه قد عادت إلى مكانها.

رفعت تيا رأسها قليلاً، وعيناها مثبتتان على عينيه، وسألته بهمس مليء بالفضول والرغبة في المعرفة: “ماذا تعلم عني؟ أخبرني كل شيء .”

ابتسم القاسم ابتسامة جانبية، وقد لمحت تيا في عينيه بريقاً خفياً من الإعجاب بخضوعها الممزوج بفضولها. “أعلم يا صغيرتي… أنكِ تمتلكين روحاً لم تكتشف بعد.

وأنكِ قوية، ولكنكِ تحتاجين من يكسر قيودكِ بلطف تتمتعين بجمال ساحر، ولكنكِ لا تعلمين قيمته الحقيقية. وأنكِ خاضعة بفطرتكِ، ولكنكِ لم تجدي من يستحق

هذا الخضوع. وأعلم أيضاً… أنني أريد أن أكون ذلك الشخص.”

مرر يده على شعرها بحنان، ثم أردف بصوت عميق: “أعلم أنكِ تيا… الفتاة التي ستجعل عالمي أكثر إشراقاً… والتي سأمتلكها ملكية تامة، جسداً وروحاً وأعلم أنكِ، يا صغيرتي،

ستذعنين لي بكل ما فيكِ من قوة ورغبة.”

وأعلم أنكِ تسكنين في حي هادئ،” بدأ القاسم يسرد بهدوء، بينما كانت يده تداعب خصلات شعرها و أنكِ تعيشين مع والدتكِ، وأبيكِ، وأختكِ، وأخيكِ. و أنت الوسطى بين إخوتكِ،

وتسعين جاهدة لدعم أسرتكِ بكل الطرق الممكنة.”

استمعت تيا بدهشة، فكل كلمة يقولها كانت صحيحة تماماً. كيف عرف كل هذا؟ لم تخبره بأي من هذه التفاصيل.

تابع القاسم،وكان صوته أكثر عمقاً:  أنكِ شرسة بطبعكِ، وأنكِ لا تختلطين كثيراً بالناس وتحبين القراءة  وتمضين الكثير من وقتكِ في عالم الكتب. و تحلمين بالاستقرار والأمان، وتبحثين

عن رجل يحميكِ ويهتم بكِ حقاً.”

شدّت تيا قبضتها على قميص القاسم، شعرت بضعف غريب يسيطر عليها. كانت كل كلمة يقولها تلامس جزءاً خفياً في روحها، كأنه يقرأ كتاب حياتها المفتوح.

“أعلم أيضاً،” أضاف القاسم، وقد تغيرت نبرته إلى لمسة من الدعم، “أنكِ لم تشعري بالأمان الكامل يوماً، و كنتِ تتوقين لشخص يمنحكِ هذا الشعور بالاستسلام التام.

شخص لا تخافين منه، بل تخضعين له برغبة كاملة.”

رفعت تيا رأسها من صدره، وعيناها مليئتان بالدموع، ليست دموع حزن، بل دهشة وامتنان. “وكيف… كيف علمتَ كل هذا؟” سألت بصوت مبحوح.

ابتسم القاسم ابتسامة خافتة، ثم قبل جبينها برقة. “أعلم يا صغيرتي… لأنني كنت أراقبكِ. منذ فترة طويلة .

ثم أضاف، وعيناه تلمعان بجدية ممزوجة بتقدير: “تعجبني شخصيتك القوية مع الناس، ولكنني أعلم جيداً بأنكِ تحتاجين إلى أحد يكون أمانكِ ويدافع عنكِ، تلجئين له وقت المشاكل،

وتجدين فيه السند والحماية. وهذا ما سأكونه لكِ، وأكثر.”

شدّد القاسم على ضمّ تيا إليه، وكأنه يثبّت كلماته في أعماق روحها. “صدقيني يا تيا، منذ اللحظة الأولى التي رأيتكِ فيها، علمتُ أنكِ مختلفة رأيتُ فيكِ شيئًا لم أره في أي امرأة أخرى.

هذه القوة الظاهرة التي تخفي وراءها حباً ودفئاً وحاجة لمن يحتضنها ويحتويها.”

صمت القاسم للحظة، ثم تابع بصوت خفيض، كأنه يهمس بسرٍّ: “أنا رجل لا يؤمن بالصدف يا تيا. لقاؤنا لم يكن صدفة، بل كان قدراً خططتُ له منذ فترة طويلة لم أترك شيئًا للصدفة

فيما يتعلق بكِ كل خطوة، كل كلمة، كل فعل… كلها كانت محسوبة.”

رفعت تيا رأسها مرة أخرى، تنظر إليه بعينين واسعتين، لم تعد الدموع تملؤهما، بل حيرة عميقة ممزوجة بإعجاب لا إرادي. “خططتَ لكل شيء؟” سألت بصوت شبه مسموع.

“لكل شيء يا صغيرتي،” أجاب القاسم بثقة لا تتزعزع. “منذ اليوم الذي لفتِّ انتباهي، أصبحتِ جزءًا من خططي المستقبلية. كان عليّ أن أتأكد من أنكِ مناسبة لي،

وأنكِ ستكونين سعيدة معي، وأنكِ ستذعنين لي بكل رضا.”

“ولكن… كيف؟” استمرت تيا في التساؤل، عقلها يحاول استيعاب حجم الموقف. “كيف يمكن أن تخطط لكل هذا؟ وماذا عن عائلتي؟ هل تعرفهم أيضاً؟”