ليالي بيروت المشتعلة: موعد غير متوقع: تذاكر إلى المجهول المثير للجدل
في ردهات الجامعة الصاخبة، كانت ديما منهمكة في محادثة حماسية مع صديقتها المقربة ميرا. كانت ميرا تتحدث بحماس عن فيلم جديد يُعرض في سينما “Grand ABC” في منطقة الأشرفية، فيلم قيل عنه الكثير من الجدل والإثارة، لكنها لم تذكر تفاصيل محتواه بالتحديد، مكتفية بوصفه بأنه “مثير للتفكير” و “مختلف تمامًا عما شاهدناه من قبل.” لم تكن ديما، المنغمسة في دراستها وتصميماتها الهندسية، تولي اهتمامًا كبيرًا للأفلام المثيرة للجدل عادةً.
“يجب أن نذهب يا ديما! سيكون شيئًا جديدًا.” أصرت ميرا بعينين متألقتين بالفضول.
ترددت ديما قليلاً. كانت تفضل الأفلام ذات الحبكات الواضحة والقصص المؤثرة، ولم تكن متأكدة من أنها مهتمة بمشاهدة فيلم يكتنفه الكثير من الغموض والإثارة الجدلية. “لا أعرف يا ميرا… يبدو مبهمًا بعض الشيء.”
“يا فتاة! لا تكوني تقليدية! النقاد يقولون إنه يفتح آفاقًا جديدة في السينما.” حاولت ميرا إقناعها بحماس.
في تلك الأثناء، كان أحمد يقف على مقربة منهما، يتظاهر بالانشغال بهاتفه بينما كانت أذناه تلتقطان جزءًا من حديثهما. لقد كان معجبًا بديما منذ بداية الفصل الدراسي، وقد حاول مرارًا التقرب منها بشتى الطرق. عندما سمع عن خططهما للذهاب إلى هذا الفيلم “المثير للجدل”، لمعت في ذهنه فكرة.
فأحمد ابن خالة ميرا، وكانت علاقتهما جيدة لذلك في وقت لاحق من ذلك اليوم، اتصل أحمد بميرا سرًا. تحدث معها بأسلوب ودود ومرح كعادتهما، ثم تطرق إلى موضوع الفيلم الذي تنوي الذهاب إليه مع ديما. “ميرا، سمعت أنكِ وديما تخططان لمشاهدة الفيلم الجديد… الفيلم المثير للجدل الذي يتحدث عنه الجميع.”
ضحكت ميرا بخفة. “نعم! ديما مترددة قليلاً، لكنني أحاول إقناعها.”
“في الواقع،” تابع أحمد بنبرة واثقة. “أنا أيضًا مهتم بمشاهدته. بما أنني ابن خالتكِ، ما رأيكِ لو انضممت إليكما؟ يمكنني حتى شراء التذاكر والبوشار. ستكون فرصة جيدة لقضاء بعض الوقت معكما.” كان أحمد يأمل سرًا أن تتيح له هذه الفرصة التقرب من ديما أكثر.
ترددت ميرا للحظة. كانت تعلم أن أحمد معجب بديما ويحاول التقرب منها، ولم تر مانعًا في مساعدته قليلاً. “حسنًا… لا أعرف يا أحمد. يجب أن أسأل ديما أولاً.”
“لا تقلقي بشأني. سأجعلها مفاجأة. فقط أخبريها في اللحظة الأخيرة أن ظرفًا طرأ لكِ ولم تتمكني من المجيء. سأكون أنا من سيرافقها، بصفتي ابن خالتكِ المحبوب.” أوضح أحمد خطته، واثقًا من أن ديما لن تمانع.
وافقت ميرا على مضض، معتقدة أنها تساعد ابن خالتها في التقرب من الفتاة التي تعجبه. اتفقت مع أحمد على التفاصيل، دون أن تخبر ديما بأي شيء عن هذا الترتيب السري.
في المساء المتفق عليه، ارتدت ديما ملابس بسيطة لكن أنيقة وتوجهت إلى سينما “Grand ABC” للقاء ميرا. عندما وصلت، أرسلت رسالة نصية إلى صديقتها: “ميرا، أنا هنا. أين أنتِ؟”
جاء الرد بعد لحظات: “يا عزيزتي! أنا آسفة جدًا! لقد طرأ ظرف عائلي طارئ ولم أتمكن من المجيء. أنا آسفة حقًا!”
شعرت ديما بخيبة أمل كبيرة. لم تكن متحمسة لمشاهدة فيلم غامض بمفردها. أرسلت ردًا إلى ميرا: “حسنًا… لا بأس. سأعود إلى المنزل. لا أحب مشاهدة فيلم بمفردي.”
جاء رد ميرا سريعًا: “لا! لا تعودي! لقد أرسلت التذاكر مع ابن خالتي أحمد وهو في طريقه إليكِ الآن. ستشاهدان الفيلم سويًا. استمتعي!”
قبل أن تستوعب ديما ما قالته ميرا، وصل أحمد. كان يحمل علبة كبيرة من البوشار وابتسامة عريضة على وجهه. “مرحباً ديما!” قال بنبرة ودودة.
تفاجأت ديما برؤيته. “أحمد؟ ما الذي تفعله هنا؟ لم أكن أعلم أنك تعرف ميرا.”
ضحك أحمد بخفة. “ميرا هي ابنة خالتي. عالم صغير، أليس كذلك؟” ثم أضاف بطريقة مرحة وهو يرفع علبة البوشار: “ومحظوظة هي ميرا بابن خالة بجمالي.” ابتسمت ديما لا إراديًا على طريقته الواثقة.
كانت ديما صامتة طوال طريقهما إلى داخل قاعة السينما المظلمة، مشاعر متضاربة تتصارع بداخلها كأمواج مضطربة. لم تكن مرتاحة لهذا الترتيب المفاجئ، لهذا التدخل غير المتوقع من أحمد في أمسيتها التي كانت مقررة مع ميرا.
شعرت بنوع من الضغط الخفي، وكأنها أُجبرت على هذا الموعد الذي لم تختره و عندما وصلا إلى المقاعد الأمامية وجلسا في الظلام الدامس الذي يسبق بدء عرض الفيلم، لم تستطع ديما كسر هذا الصمت الثقيل الذي خيم بينهما.
لاحظ أحمد هذا الصمت المريب، وبرودة الجسد التي شعرت بها يداه عندما أمسك بهما التفت إليها بهدوء في الظلام وهمس بصوت منخفض: “لماذا أنتِ صامتة هكذا يا ديما؟ وتبدين باردة…” كانت نبرته تحمل مزيجًا من الاستفسار والقلق، ربما حتى قليلًا من الاستياء لعدم ترحيبها بحضوره.
حاولت ديما أن تستجمع رباطة جأشها وتدافع عن نفسها، لكن الكلمات تجمعت في حلقها. رفعت يديها قليلًا في محاولة للتعبير عن ارتباكها وعدم ارتياحها لهذا الوضع المفاجئ. “أنا… أنا فقط… تفاجأت قليلاً لم أكن أتوقع…” بدأت تتلعثم، غير قادرة على صياغة أفكارها بوضوح.
لاحظ أحمد ترددها وقلقها الواضح. أمسك بيديها برفق مرة أخرى، لكن هذه المرة كان إمساكه أكثر ثباتًا، وكأنه يحاول تهدئتها أو ربما منعها من الانسحاب.
قال بنبرة هادئة لكنها تحمل إصرارًا خفيًا:
“أعلم… أعلم أنكِ مرحة وشغوفة، وهذا ما يعجبني في شخصيتكِ كثيرًا.”
لم يدعها تتكلم أكثر، وكأنه يخشى أن تعبر عن عدم رضاها، وأضاف بابتسامة مصطنعة في الظلام: “هيا، الفيلم سيبدأ بعد قليل. ميرا حجزت لنا مقاعد أمامية ممتازة.” ثم وجه نظره نحو الشاشة المضاءة جزئيًا، منهيًا بذلك أي فرصة لمزيد من الحديث في الوقت الحالي.
بقيت ديما صامتة، تشعر بيده تمسك بيدها بإحكام. كانت مشاعر متضاربة تتصارع بداخلها. كان هناك جزء منها يشعر بالانزعاج والضيق لهذا التدخل غير المرغوب فيه، بينما كان جزء آخر، ربما فضولًا أو حتى انجذابًا خفيًا، يمنعها من النهوض والمغادرة.
جلست في مقعدها صامتة، وعيناها مثبتتين على الشاشة المظلمة، بينما كانت أفكارها تدور في حلقة مفرغة حول هذا الموعد غير المتوقع وما قد يحمله المستقبل


