ليالي بيروت المشتعلة : مسافة وندم
في صمت الجامعة الصاخب، ترك “أحمد” “ديما” مع صديقتيها، وانسحب بهدوء ليجلس وحيدًا. كانت عيناه تراقبانها من بعيد، تستشعران برودة المسافة التي بدأت تتشكل بينهما. رسالته الأخيرة، تلك الكلمات القليلة التي حملت خوفه وحبه، قوبلت برد مقتضب أشعره بخيبة أمل مريرة.
قرر “أحمد” أن يمنح “ديما” المساحة التي بدت أنها تحتاجها. ابتعد جسديًا، لكن اهتمامه الخفي ظل يحيط بها كظل رقيق. انكب على عمله ودراسته، يغرق نفسه فيهما علّه يجد سلوى أو مهربًا من الفراغ الذي خلفه ابتعادها.
في المقابل، وجدت “ديما” الأيام تمضي ببطء وثقل الفراغ الذي تركه “أحمد” في حياتها كان يزداد اتساعًا، وكل زاوية في ذاكرتها كانت تحمل طيفًا له.
بدأ حنين خفي يشدها إليه، صوت دافئ يهمس باسمه في زوايا قلبها، لكن كرامتها الجريحة كانت تقف كحاجز صلب يمنعها من المبادرة.
لم تجد “ديما” مفرًا من اللجوء إلى “كارلا” جلستا في مقهى هادئ بالقرب من الجامعة، وبصوت مرتعش بدأت “ديما” تروي لصديقتها كل ما حدث، منذ الليلة المشتعلة وحتى صباح اليوم البارد قصت لها عن خوفها، عن ألمها، عن لحظات الضعف والقوة، وعن الارتباك الذي يمزق قلبها تجاه “أحمد”.
استمعت “كارلا” بإنصات عميق، تحتضن يدي “ديما” بين يديها، وعيناها تعكسان مزيجًا من التعاطف والقلق. كانت “كارلا” تدرس علم النفس، وكانت تفهم جيدًا تعقيدات المشاعر الإنسانية وتشابك العلاقات.
عندما انتهت “ديما” من حديثها، خيم صمت قصير بينهما. ثم تحدثت “كارلا” بهدوء: “يا حبيبتي… ما مررتِ به كان صعبًا ومؤلمًا. من الواضح أن هناك مشاعر قوية تربطك بـ”أحمد”، لكن الطريقة التي تعامل بها معكِ كانت خاطئة ومدمرة.”
أضافت “كارلا” بحنان: “ابتعاده الآن قد يكون فرصة لكِ للتفكير بوضوح، لتقييم مشاعركِ الحقيقية وما تستحقينه في العلاقة. لا تدعي كرامتكِ تمنعكِ من فعل ما يمليه عليكِ قلبكِ، لكن تأكدي أيضًا أن قلبكِ لا يخدعكِ بسبب الخوف أو التعود.”
نظرت “ديما” إلى صديقتها بعينين دامعتين: “أشعر بفراغ بدونه يا كارلا… لكنني لا أستطيع أن أتجاهل ما فعله.”
ربتت “كارلا” على يدها برفق: “أعلم يا حبيبتي… والحل ليس سهلًا. لكن تذكري دائمًا أن قوتكِ تكمن في معرفة ما تريدين والاعتراف به.
خذي وقتكِ، فكري مليًا، واستمعي إلى صوت قلبكِ وعقلكِ معًا.”
في تلك اللحظة، شعرت “ديما” بثقل كبير يخف عن صدرها مجرد مشاركة ألمها مع صديقتها منحتها بعض الراحة. لكن الطريق إلى اتخاذ قرار بشأن مستقبل علاقتها بـ”أحمد” كان لا يزال طويلًا وشائكًا، يكتنفه الحنين والوجع والتردد.
دخل “أحمد” إلى نفس المقهى الذي اعتاد ارتياده بالقرب من الجامعة، وبنظرة خاطفة، التقت عيناه بعيني “ديما” الجالسة مع “كارلا”. لاحظ الشحوب الذي يكسو وجهها الرقيق، ولاحظت هي بدورها النقصان الطفيف في وزنه، والهالات الداكنة تحت عينيه.
اقترب “أحمد” من طاولتهما وتبادل معهما السلام بفتور. ثم وجه نظره مباشرة إلى “ديما” وسألها بسرعة وقلق: “لماذا وجهكِ شاحب هكذا يا “ديما”؟ هل ما زلتِ تخافين من النوم بمفردكِ؟”
صمتت “ديما” للحظة، ثم أجابت بنبرة تحاول أن تكون واثقة: “لا أبدًا… فقط لدي تراكم في دراستي ولا أنام جيدًا هذه الفترة.”
علم “أحمد” أنها تكذب، فتوترت أعصابه قليلًا. أرسل لها رسالة نصية سريعة: “لا تفركي يديكِ وأنتِ تكذبين يا “ديما”.”
قطعت “كارلا” الصمت الضاغط وسألته بابتسامة ودودة: “وكيف أحوالك أنت يا “أحمد”؟” كانت “كارلا” تسعى لإرضاء فضول “ديما” الذي بدا واضحًا في نظراتها.
ألقى “أحمد” نظرة خاطفة على “ديما” التي كانت تتابع الحوار باهتمام، ثم أجاب “كارلا” ببرود مصطنع: “لا شيء مهم… دراستي وعملي فقط. وأنتِ؟ ما الأخبار؟”
أجابت “كارلا” ببساطة: “لا شيء جديد.” ثم استأذنت للذهاب للحمام ولكن كانت ترغب بتركهما بمفردهما ولكن يبقى كل منهما صامتاً شارداً في الآخر
لتعود كارلا وتكتشف أن خطتها لم تنجح لينهض احمد عندما عادت كارلا ويقول ديما في آمانتك ويذهب
لتقول كارلا : ماذا حدث ؟
لترد ديما : لا شيء لم نتكلم
لتقول كارلا المهم أن اهتمامه وشوقه واضح لترد ديما لماذا لم يتكلم ؟
لتقول كارلا : لأنه يريدك أن تتخذي القرار
ليأتي الكارسون حاملاً طبيقين من الآيس كريم الذي تفضله ديما ويقول لهما هذا من الأستاذ أحمد لكما
لتقول كارلا بخبث اشكريه صغيرتي
لتضربها ديما على كتفها بخفة ويتناولان الآيس كريم وديما تستذكر أخر يوم قضته في منزله
وكارلا تراقب انعالات وجهها وابتسامتها لتقول لها صغيرتي سيذوب الآيس كريم ثم تعود كل منهما لمنزلها
ديما بعد حديثها العميق مع كارلا في المقهى الهادئ، عادت إلى وحدتها، حيث كانت ذكريات أحمد الدافئة تتردد في كل ركن.
اعترفت لنفسها أخيرًا بالحقيقة المرة: قلبها لا يزال ينبض باسمه. ولياليها الطويلة لم تكن تشهد الأرق بسبب الخوف، بل بسبب فراغ تركه غيابه، وفقدان شعور الأمان الذي كان يمنحها إياه وجوده اشتاقت إلى همساته، قلقه، وحتى تلك اللحظات التي كانت تعتبرها تملكًا.


