ليالي بيروت المشتعلة : الخاضعة ديما

ليالي بيروت المشتعلة الفصل الرابع عشر

ليالي بيروت المشتعلة : بريق أمل

حملها “أحمد” بين ذراعيه وقال بحزم لطيف: “بلا سأفعلها أنا.” حملها إلى الحمام، وملأ حوض الاستحمام بالماء الساخن ورغوة الشامبو ذات الرائحة الهادئة، ثم أزال عنها ملابسها برفق ووضعها في الماء الدافئ.

خرج من الحمام ليمنحها بعض الخصوصية، وأحضر لها ملابس قطنية مريحة كانت قد اختارتها سابقًا: هوت شورت رمادي اللون وبلوزة فضفاضة بنفس اللون تبرزان أنوثتها الرقيقة، بالإضافة إلى ملابس داخلية زهرية ناعمة. بعد بضع دقائق، عاد إلى الحمام وهو يحمل برنصًا ناعمًا.

نهضت “ديما” ببطء من الماء الدافئ، فوضع “أحمد” البرنص على جسدها برفق وحملها إلى السرير. بدأ بتمشيط شعرها المبتل بلطف، ثم جفف خصلاته الطويلة ووجهها الشاحب بمنشفة ناعمة. بعد ذلك، دهن الكدمات المنتشرة على جسدها بالمرهم، وكل لمسة كانت مصحوبة بقبلة رقيقة وهمسة اعتذار صامتة.

“لقد خفت الآثار قليلًا”، قال “أحمد” وهو يتفحص بشرتها بعينين نادمتين، ثم انحنى ليقبل شفتيها برقة متناهية.

بعد ذلك، حاول “أحمد” مساعدتها في ارتداء ملابسها القطنية المريحة، لكن “ديما” أبدت بعض التمنع والتردد. تصنع “أحمد” الغضب قائلًا بنبرة حازمة: “لا أريد أي اعتراض يا حبيبتي، تحتاجين للراحة.” استجابت “ديما” بصمت، وتركته يساعدها. عندما انتهى، وضعها برفق على السرير، ثم أحضر كأس ماء وحبة دواء مهدئة، عازمًا على منحها نومًا عميقًا ومريحًا.

ناولها “أحمد” كأس الماء وحبة الدواء، ثم سألها بنبرة مترددة: “صغيرتي… هل أنام بجانبكِ؟”

ترددت “ديما” قليلًا، وفركت يديها بتوتر. شعر “أحمد” بخوف من الرفض يلسع قلبه، فأضاف بسرعة: “أنا أرغب بذلك جدًا… ولكن أخاف من رفضكِ.”

رفعت “ديما” رأسها ونظرت إليه بابتسامة مرحة خففت من توتره: “حسنًا… سأتكرّم عليكَ وأجعلك تنام بجانبي.”

انحنى “أحمد” يقبل يدها برقة وقال بامتنان: “شكرًا لكِ يا أميرتي.” لينام بجوارها محتضنا إياها  ليغطا في نوم عميق

استيقظت “ديما” في صباح اليوم التالي على لمسات دافئة وقبلات رقيقة من “أحمد”، الذي كان قد أعد بالفعل عصير البرتقال الطازج وقطع التوست الذهبية لـ”صغيرته”، بالإضافة إلى فنجان قهوته الصباحية. فتحت عينيها ببطء، ونظرت إليه وهو يبتسم بحنان.

“صباح الخير يا أميرتي”، قال “أحمد” بنبرة هادئة.

أجابته “ديما” بصوت ناعس: “صباح النور… حب.” ثم صمتت، وعادت بنظرها إلى السقف.

تجاهل “أحمد” فتورها الظاهر، وحاول أن يبث فيها بعض الحيوية: “هيا يا كسولة… اليوم سيكون طويلًا وشاقًا.”

نهضت “ديما” قليلًا وسندت ظهرها على الوسادة، ثم لاحظت أن “أحمد” قد أحضر لنفسه فنجان قهوة ساخن بينما اقتصر فطورها على عصير البرتقال. عبست بطفولية وتذمرت: “لا أريد… صنعت لنفسك قهوة ولي عصير… لا أريد! إما أن تتناول مثلي، أو لا.”

ابتسم “أحمد” بحنان وقال: “حسنًا يا صغيرتي، سنتناولهم جميعًا سويًا.” بدأ يطعمها قطع التوست الصغيرة، وتناول هو أيضًا بعض القطع معها. لاحظت “ديما” أنه بالكاد يأكل، فرفعت قطعة توست وأطعمتها له. ابتسم “أحمد” لاهتمامها، ثم قالت “ديما” بنبرة مترددة: “لا أريد أن أذهب إلى الجامعة اليوم.”

أمسك “أحمد” يد “ديما” برفق وقلق، متسائلًا: “هل لا زلتِ تتألمين يا عمري؟”

هزت “ديما” رأسها بنفي خفيف وقالت بصوت خافت: “لا… الأمر ليس جسديًا. لا أستطيع أن أنظر في عيني “ميرا”… لقد نمت في منزلك. لن أتحمل فكرة أن أسمع كلمات تشوه سمعتي.”

قبل “أحمد” يديها برقة متناهية وقال بحنان: “حبيبتي… أنتِ حبيبتي، وستصبحين زوجتي قريبًا جدًا. ولماذا ستتدخل “ميرا” في علاقتنا؟ هذا شأن خاص بنا. “ميرا” ستعتقد أنكِ كنتِ في المشفى، وأنا كنت معك في المشفى. ومهما سألتكِ، لا تجاوبي بأكثر من ذلك. “ميرا” تعرف جيدًا أنني أحبكِ ومنذ زمن طويل. أرجوكِ يا صغيرتي، لا تفكري بأشياء تزعجكِ.”

انحنى “أحمد” ليقبل رأس “ديما” بحنان، ثم اتجه نحو خزانة الملابس ليختار لها زيًا مناسبًا للجامعة. وقع اختياره على بلوزة وتنورة أنيقتين بلون الأورانج الفاتح، أضاف إليهما حقيبة يد وحذاء أنيقين باللون الأبيض من ماركة ديور المعروفة.

أعطاها الملابس وابتسم قائلًا: “هيا يا صغيرتي، هذا يليق بكِ جدًا. سأستحم أنا في الحمام الخارجي وأعود إليكِ بعد قليل.”

مضت بضع دقائق وعاد “أحمد” إلى الغرفة، يرتدي برنص حمام قطنيًا يكشف عن جزء من صدره العريض، وبمنظره الجذاب الذي لطالما أسر قلبها. فتح خزانة ملابسه وبدأ يتفحص محتوياتها قائلًا بنبرة حالمة: “لطالما تخيلتك تختارين ملابسي.”

نهضت “ديما” ببطء، وعلى وجهها شبح ابتسامة، واختارت له بنطال جينز داكنًا وقميصًا أبيضًا أنيقًا. رفع “أحمد” حاجبه بمرح قائلًا: “ألا تريدين أن ألبس بوكسر؟” ضربته “ديما” بخفة على يده وناولته إياه. “حسنًا، حسنًا… سأذهب لأرتدي ملابسي. هيا تجهزي أنتِ أيضًا، وإن كنتِ لا تستطيعين، أنا أساعدكِ.”

“أريد أن أستحم”، قالت “ديما” بصوت خافت. حملها “أحمد” برفق بالغ وأخذها إلى الحمام، يعاملها بحنان بالغ كطفلته الصغيرة، ثم أخرجها بعد أن انتهت ليقف الاثنان سويًا، وكل منهما يرتدي برنص حمام.

“هل نلتقط صورة سويًا؟” سأل “أحمد” بابتسامة. ابتعدت “ديما” فجأة، تتذكر اقتراح الدكتور “ياسر” المخيف. رأى “أحمد” الخوف يرتسم على وجهها، فاعتذر على الفور دون أن يعلم السبب الحقيقي لابتعادها، وخرج مسرعًا من الغرفة.

شعرت “ديما” بوخز من الندم وهي تراه يبتعد قررت أن تعتذر منه، فخرجت من الغرفة لتسمعه يتحدث بهمس مع الدكتور “ياسر”: “لا تثق بي… وتخاف مني… لن أستطيع تحمل خوفها وقلة ثقتها.”

عادت “ديما” مسرعة إلى الغرفة وارتدت ملابسها بسرعة. خرجت لتجده قد ارتدى ملابسه بالفعل. أمسك “أحمد” بيدها برفق وقال بنبرة قلقة: “إذا شعرتِ بالتعب، أخبريني.”

ذهبا إلى الجامعة بصمت مطبق. وعندما وصلا إلى البوابة، استقبلتهما “ميرا” و”كارلا”، بعد أن أخبرت “ميرا” صديقتها عن سقوط “ديما”.

ترك “أحمد” “ديما” مع “ميرا” و”كارلا”، مودعًا إياهن بابتسامة باهتة، ثم ابتعد ليجلس بمفرده على مقعد قريب. راقبته “ديما” بعينيها، تستشعر مدى الحزن العميق الذي يخيم على روحه، رغم محاولته إخفاءه.

بعد لحظات، اهتز هاتفها معلنًا وصول رسالة نصية منه: “لا تقفي لوقت طويل يا صغيرتي. انتبهي لنفسك جيدًا. أحبك.”

ردت “ديما” برسالة مقتضبة: “وأنت أيضًا… شكرًا.”

قرأ “أحمد” رسالتها، فشعر بخيبة أمل مريرة تغزو قلبه كانت كلماتها باردة وجافة، لا تحمل أي دفء أو عاطفة بدا وكأن المسافة بينهما تتسع بدلًا من أن تضيق.

الفصل الخامس عشر : مسافة وندم