أحجار على رقعة الشطرنج : زهراء والسر الذي هزّ حوران

أحجار على رقعة الشطرنج :الفصل الثالث عشر

أحجار على رقعة الشطرنج : خيوط تنكشف وخطط تتشابك

أنهى سليم عمله وتوجه إلى الحديقة، فرأى زهراء لا تزال تحتضن جدها بحنان، وعلامات الفرح والراحة بادية على وجهها. اقترب منهما بابتسامة دافئة، وأخذها برفق من بين ذراعي جدها وضمها إلى صدره بحب وقبلها على جبينها وهمس في أذنها: “اشتقت لكِ يا عمري.”

ثم نظر إلى الجد بصوت مرح: “إياك أن تحضن زوجتي مرة أخرى يا جدي، أنا أغار عليها!”

ضحك الجد بصوت عالٍ وهو ينظر إلى سليم بامتنان، مدركًا أن زهراء تشعر بالأمان والحب في رعايته.

قاطع لحظتهم صوت علي وحنان وهما يدخلان الحديقة، يتحدثان مع تاليا الصغيرة التي كانت ترفض الذهاب إلى النوم وتصر على رؤية زهراء.

“تعالي يا صغيرتي!” قالت زهراء بابتسامة حنونة.

ركضت تاليا الصغيرة بخطوات متلهفة نحو زهراء، وارتمت في حضنها الدافئ وهي تقول بلهفة: “اشتقت لكِ! لم أركِ طوال اليوم!”

قبلت زهراء رأس تاليا بحنان واعتذرت قائلة: “آسفة يا حبيبتي، كنت متعبة قليلاً اليوم.”

ذهبت حنان بلطف لتطلب من الخادمة تجهيز بعض الحلوى والفواكه لتاليا وزهراء. أما سليم وعلي، فقد اصطحبا الجد إلى غرفة المكتب ليتبادلا معه أطراف الحديث ويطمئنا عليه. في هذه الأثناء، انغمست زهراء وتاليا في عالم من اللعب والمرح، تضحكان وتتبادلان الأحاديث الطفولية، مما أدخل البهجة إلى قلب زهراء وخفف عنها.

في غرفة المكتب، جلس عليّ بجدية وأخبر سليم والجد بما توصل إليه المحقق. “لقد اجتمعت اليوم مع المحقق الذي يتولى قضية مقتل ابني آدم، وللأسف الأخبار التي وصل إليها تثبت تورط عائلة وليد الزعبي في مقتل ابني آدم. وكذلك تورط نور في مساعدة وليد في التخطيط لحادثة الاغتصاب.”

هب سليم واقفًا وسأل بلهفة: “وأين الإثباتات على كل هذا يا أبي؟”

رفع عليّ يده ليُهدئ ابنه وقال بجدية: “لا تستعجل يا بني، الموضوع أكبر من ذلك بكثير. التحقيقات كشفت عن تورط عائلة الزعبي في قضايا أخرى خطيرة، مثل تهريب المخدرات وتهريب الآثار. لذلك طلب المحقق السرية التامة في الوقت الحالي، وسيُجري اجتماعات مع مسؤولين كبار لجمع الأدلة القاطعة وإثبات التهم الموجهة ضد هذه العائلة.”

أضاف عليّ بجدية: “يجب أن نضع حراسة مشددة على الجميع في القصر، تحسبًا لأي رد فعل من طرفهم.”

هز سليم رأسه موافقًا وقال: “سأخبر مدير الحرس فورًا بتزويد طاقم الحراسة وتعزيز الأمن.”

تدخل الجد بنبرة قلقة: “وكيف سنأخذ حق زهراء مما فعلوا بها؟”

أجاب سليم بثقة وعزم: “لا تقلق يا جدي، أنا سأتولى ذلك بنفسي. لقد علمنا أن نور ذهبت إلى شقة وليد منذ يومين، ويبدو أنهما يخططان لشيء ما.”

قال سليم بنبرة حازمة وعينين تشتعلان غضبًا: “سأنتقم لزوجتي ولطفلي، لا تقلق يا أبي.”

حاول عليّ تهدئته قائلًا: “يا بني، لا تتسرع في خطواتك.”

لكن سليم رد بثقة: “لا تخف يا أبي، لن أفعل شيئًا متهورًا. هم من سيفعلون. سأجعل وليد يعتقد أن نور هي سبب فضيحة زهراء، وأنني لم أخبره بما حصل إلا بعد أن علمت أن خطتهم لم تفشل. فوليد خطط مع نور أن تقنع زهراء بأن تلجأ إليه ليحميها.”

أكمل سليم حديثه وهو يستعرض خيوط المؤامرة في ذهنه: “بعد أن جعلوني اغتصبتها، وعندما هربت زهراء من منزلي ولم تخبر أحدًا بالاغتصاب، اعتقدا أن خطتهما قد فشلت. ولكن عندما علمت نور بأن الخطة لم تفشل، وأن زهراء حامل، فضحتها لتثير غضب والدها ويقتلها، وبذلك تضمن أن يكون وليد لها وحدها، فوجود زهراء كان يمثل تهديدًا لها. ولكن عندما نُشر موضوع زواجي بزهراء في الصحف، علم وليد أن الخطة نجحت ، فطلب مقابلة نور التي كذبت عليه وأقسمت أنها لا تعلم شيئًا عن الأمر.”

“لذلك سأجعل وليد يعلم أنها غدرت به، وهو من سيحاسبها حسابًا عسيرًا.” قال سليم بثقة.

سأله والده بفضول: “وكيف ستفعل ذلك يا بني؟”

أجاب سليم بابتسامة خبيثة: “لا تقلق يا أبي. لقد أخبرت أحد حراسي بأن يخبر أحد المزارعين  زوجته تعمل خادمة في قصر وليد. ستخبرهم بفعلة نور الدنيئة. تلك الخادمة تكره نور بشدة وتخاف على ابنتها من رفقتها، وهي تحتاج إلى سبب قوي ليمنع أهل القصر نور من الدخول إليه نهائيًا.”

“وأنا بدوري أراقب وليد عن كثب،” أضاف سليم بجدية. “لقد وضعت كاميرات مراقبة دقيقة في شقته السرية التي  يأخذ نور إليها.”

“انتبه جيدًا يا بني، لا أريد أن يحصل لك أي مكروه.” قال عليّ بجدية وقلق.

طمأنه سليم قائلًا: “لا تقلق يا أبي، سأكون حذرًا.”

ثم أضاف عليّ: “هيا بنا الآن لتناول العشاء.”

وغادر الثلاثة غرفة المكتب متجهين إلى غرفة الطعام. كان كل منهم غارقًا في أفكاره، يتأملون الأحداث المتسارعة وما سيحمله لهم المستقبل القريب.

أما في قصر وليد، وقفت الخادمة بجانب والد وليد، تتحدث بنبرة واثقة وحازمة: “يا سيدي، يجب أن تعلم أن نور قد فضحت حفيدة أبو خالد، ذلك الرجل الطيب الذي يحبه ويحترمه الجميع.”

انفعل والد وليد عند سماع هذه الكلمات، وأعطى تعليمات صارمة بمنع دخول نور إلى القصر نهائيًا. ثم استدعى ابنه وليد وأخبره بالأمرفكانت نور تدخل القصر في السابق بحجة أنها تساعد وليد في بعض الأمور المتعلقة بعمله وستاجات جامعته، لكن بعد هذه المعلومات، تغير كل شيء.

سأل وليد والده بغضب واستغراب: “لماذا يا أبي؟ ما الذي فعلته نور؟”

قص عليه والده فعلة نور الدنيئة وتسببها في فضيحة زهراء. عندها فقط استوعب وليد أنها غدرت به وحرمته من زهراء صحيح  لم يكن وليد يريد زهراء لأنه يحبها بصدق، بل كان يريدها لإشباع رغباته وقضاء ليلة معها و كانت خطته الخبيثة أن يتزوجها بالسر بعد الاغتصاب ليحافظ على سمعتها أمام المجتمع.

أدرك وليد أن خطته السرية قد فشلت تمامًا فغمره غضب عارم تجاه نور التي تسببت في كل هذا. أمسك هاتفه واتصل بنور، طالبًا منها أن تأتي إلى شقته في تلك الليلة.

ترددت نور في البداية ومانعت، لكن وليد ألح عليها قائلًا بنبرة متوسلة: “أنا بحاجتك يا نورلقد تشاجرت مع أبي وأحتاج إليكِ بجانبي.”

فكرت نور أن هذه هي فرصتها الذهبية للتقرب من وليد وإظهار حبها وولائها له، خاصة بعد المشكلة التي حدثت مع والده. بدأت تتجهز بحماس، ارتدت فستانًا قصيرًا عاري الكتفين، ووضعت مكياجًا جذابًا وملفتًا. ثم ارتدت عباءة سوداء فضفاضة ووضعت نقابًا يخفي وجهها، لتخرج خلسة من الباب الخلفي للمنزل بحذر شديد.

الفصل السابق