ليالي بيروت المشتعلة :بين أحضان الأمان وشكوك الماضي
استيقظت ديما بعد أكثر من ساعة لتجد أحمد جالسًا بجانبها منكبًا على بعض الأوراق والرسومات التي كانت مبعثرة حوله، والإضاءة الخافتة تسلط ضوءًا ذهبيًا على خصلات شعره الداكن.
ابتسمت ديما بهدوء وهي تراقبه. كان يبدو مركزًا ومنغمسًا في عمله، لكن حضوره بجانبها بث فيها شعورًا بالأمان والراحة. رفعت يدها ببطء وقبلت ظهر كفه برقة، ثم دفنت رأسها في حضنه، تستنشق
رائحة عطره المألوفة التي تبعث فيها الطمأنينة. أُعجب أحمد بحركتها، فرفع رأسه ونظر إليها بعينين دافئتين. ابتسم وقبل رأسها بحنان. “حوريتي… استيقظتِ؟”
قبلها مرة أخرى على جبينها وقال بنبرة حنونة: “أكملي نومكِ . ما زال الوقت مبكرًا.” ثم عاد إلى عمله، لكن يده بقيت تربت على شعرها بلطف، وكأنه يهدئ روحها ويحرس نومها. كانت تشعر بدفء
حضنه يحيط بها، ولم تمضِ دقائق حتى انزلقت مرة أخرى في نوم عميق، واثقة أنها في أيدٍ أمينة.
أكمل أحمد عمله لساعتين متواصلتين أيضًا وحوريته ما زالت نائمة، ليشعر هو بالتعب والإرهاق فيقرر النوم بجانبها. ضمها إلى صدره ونام بعمق.
استيقظ أحمد على رنة هاتفه، فأجاب بصوت ناعس. كان المتصل سامي.
“سيدي، أحد ما سرق التصاميم وقدمها لخصمك، ولدي معلومات عنه.” قال سامي بنبرة جدية.
تظاهر أحمد بالغباء. “كيف عرفت ذلك؟ ومن الفاعل؟”
“عرفت ذلك من صديق لي يعمل مع الشركة المنافسة.” أجاب سامي. “وللأسف الفاعل شخص قريب منك جدًا صديقتك في الجامعة اسمها ديما. وتخبر الجميع أنك زوجها لتحصل على المعلومات التي تريدها.”
في تلك اللحظة، استيقظت ديما. وضع أحمد يده بسرعة على فمها كي لا تتكلم، وأكمل حديثه مع سامي. “وماذا علمت أيضًا؟”
“لا شيء، فقط هكذا؟” أجاب سامي بنبرة مبهمة.
“إذًا، مهمتك أن تحضر دليلًا قاطعًا أن التصاميم قد وصلت للمنافس، وكذلك تحضر لي معلومات كاملة عن ديما، ولمن بالتحديد قالت أنها زوجتي.” قال أحمد بحدة.
“حسنًا سيدي، كما تريد.” أجاب سامي بخضوع.
“سامي، انتظر مني مكافأة غدًا.” قال أحمد.
“لا سيدي، فأنا مدين لك بعملي وبدراستي. مهما فعلت لأجلك قليل.”
أنهى أحمد المكالمة. نظرت إليه ديما بعيون واسعة مليئة بالخوف. “من هذا؟” همست بصوت مرتعش.
“سامي.” أجاب أحمد ببرود، وعيناه تراقب تعابير وجه ديما المتصاعد خوفها.
انتفضت ديما وجلست بسرعة، وعيناها تتسعان برعب. “ماذا يريد؟ هل علم بزواجي منك؟”
وضع أحمد يده على خدها برفق، محاولًا تهدئتها. “صغيرتي، لا تخافي. أنا معكِ.”
لكن كلماته لم تبدد قلقها. “أرجوك يا أحمد، لا أريد أن تتعرض للخطر بسببي.” قالت بصوت متوسل، وعيناها تفيضان بالدموع.
غضب أحمد ، وارتفع صوته قليلًا. “هل تعتقدي أنني لا أستطيع حمايتكِ وحماية نفسي؟”
ارتجفت ديما وارتدت للخلف بوجوم. “لا أقصد ذلك يا حبيبي…” قالت بحزن، وصوتها يخبو. “ولكنه خبيث جدًا… ومؤذي.”
استفهم أحمد من ديما بنبرة قلقة وعينيه تحملان مزيجًا من الغضب والفضول: “لماذا تخافين منه إلى هذا الحد يا ديما؟”
تنهدت ديما بعمق، وعادت بذاكرتها إلى تلك الليلة المروعة. “عندما رفضته منذ عدة سنوات… خطفني من المول وحاول اغتصابي.
لولا أن شخصًا ما شك بأمره عندما حملني وتبعه بسيارته، لما نجوت منه.” كانت كلماتها تتقطع، وارتعاشة خفيفة تسري في جسدها وهي تستعيد تلك الذكرى المؤلمة.
تجمد أحمد للحظة، وعبَرت في ذهنه صورة باهتة لفتاة مذعورة تبكي في مكان ما منذ زمن بعيد. كان الموقف مشابهًا بشكل غريب… فتاة خائفة، خطر يتربص بها. هل يعقل أن تكون تلك الفاتنة التي بين
يديه هي نفسها تلك الفتاة التي أنقذها يومًا ما؟
نظر إلى ديما بعمق وسألها بجدية: “ديما… هل كنتِ يوم الحادثة في مول لالدورادو شوبينغ سنتر Eldorado Shopping Center؟ وهل أخذك ذلك الوغد إلى بناء مهجور في نفس المنطقة؟
وكان ذلك عام 2012؟”
اتسعت عينا ديما بصدمة وذهول. “نعم… كيف عرفت؟” تمتمت بصوت مرتعش، وكأنها تسترجع ذكرى مؤلمة. ثم نظرت إليه برجاء ودهشة: “هل… هل هذا أنت من أنقذني في ذلك اليوم؟”
أومأ أحمد برأسه ببطء، وعيناه تحملان مزيجًا من الصدمة والأسى. “نعم… صغيرتي… كنتُ أنا. لكن وقتها… اعتقدتِ أنني أنا من فعل بكِ هذا… وبدأتِ بتوبيخي.”
“آسفة…” همست ديما بصوت مخنوق بالدموع، وعيناها مثبتتين على وجه أحمد بأسف عميق. “لقد اتصل بي بعدها… وهددني أنه سيعيد فعلته بي… وعدت إلى هناك كي أعتذر منك… لكن كنت قد
غادرت .” كانت كلماتها تتقطع وسط شهقاتها، وذاكرة الرعب القديم تعود لتخيم على روحها.
“سامحني أرجوك…” توسلت ديما وهي تمسك بيده بقوة، وعيناها تترجاه الصفح.
ضمها أحمد إليه بحنان بالغ، ومسح على شعرها بلطف. “لا بأس يا صغيرتي… لا بأس. لم يكن خطأكِ. المهم أنكِ بخير الآن.”
“يا ترى هو يعلم أنني أنا من أنقذكِ؟” سأل أحمد بنبرة تفكير عميق، وعيناه مثبتتين على ديما.
هزت ديما رأسها بنفي بطيء. “لا أعلم… في ذلك اليوم… نعتتك بالوغد… وبعدها سافرت مع عائلتي ولم ألتقِ به حتى منذ بضعة أشهر… في إحدى الكافتريات… ولم أعطه مجالًا للتحدث… وتلك
المكالمة كانت الأولى منذ ذلك الحين.” كانت كلماتها تعكس ارتباكها وقلقها المتزايد.
“صغيرتي، لا تخافي.” قال أحمد وهو يشدد من احتضانها. “ولكن يبدو أنه يريد أن يقنعني بأنكِ أنتِ من سرب التصاميم لمنافسي.” كانت كلماته تحمل مزيجًا من الاستغراب والقلق، وهو يحاول استيعاب
هذه المعلومة الصادمة.
“تبًا له!” هتفت ديما بغضب واضح، وعيناها تشتعلان بالإنكار. “أقسم لك يا أحمد، لم أفعل شيئًا من هذا القبيل!”
أمسك أحمد بوجهها بين يديه ونظر إلى عينيها مباشرة بصدق وحنان. “حوريتي… تعلمين جيدًا أنني لن أصدقه أبدًا. ثقتي بكِ أكبر من أي ادعاء كاذب. ولكن كان يجب أن أخبركِ بما قاله.”
“وقال إنكِ تخبرين الجميع أنكِ زوجتي لتحصلي على معلومات، وبالتالي هو يعلم بأمر زواجنا.” أضاف أحمد بنبرة تفكير عميق.
اتسعت عينا ديما بصدمة وذهول. “ولكن كيف؟!” هتفت بصدق. “أقسم لك يا أحمد، حتى كارلا وميرا لا يعلمان!”
ربت أحمد على يدها بحنان. “لا تخافي يا صغيرتي. سأعرف كيف علم بذلك. “
طلبت منه أن يحضر معلومات كيف سربت التصاميم ومعلومات عنك أيضًا توثق أنك تقولين أنك زوجتي لذلك يجب أن نسبقه بخطوة؟ لتقول ماهي؟
رد أحمد قائلاً : صغيرتي يجب أن نثبت زواجنا في المحكمة لذلك غدًا لن تذهبي للجامعة سنثبت زواجنا وبعدها سنذهب لموعد الطبيبة.
“كما تريد يا حبيبي.” أجابت ديما بخضوع، لكن بعد لحظة أضافت بتردد: “أحمد… لست مضطرًا لذلك. أنت تزوجتني كي تمتع نفسك وكي لا نكون زانيين.” كانت كلماتها تحمل قلقًا عميقًا بشأن دوافعه.
تفاجأ أحمد بقول ديما، وارتسمت على وجهه علامات الصدمة والدهشة. “من قال هذا؟ هل تظنين حقًا أنني تزوجتكِ كي أعيش معكِ هذه الأجواء السادية فقط ولمتمعتي فقط ؟”
صمتت ديما، وعيناها تتجنبان نظراته الثاقبة. ازداد غضب أحمد. “تكلمي يا ديما! لا تصيبيني بالجنون!”
أجابت ديما بخوف، وصوتها بالكاد يُسمع: “أنت… أنت من قلت ذلك… وليس أنا.”
تنهد أحمد بأسف واضح. “أنتِ على حق يا صغيرتي… فعلتها. قلت ذلك لأروضك في تلك اللحظة، لم يكن الأمر يتعلق بكِ أنتِ بقدر ما كان يتعلق بغضبي الجامح الذي أردت تفريغه بطريقة مؤذية.
لكن أقسم لكِ يا ديما، بكل ذرة في قلبي، أنني أحبكِ. ألا تشعرين بحبي لكِ؟”
لم تتمالك ديما نفسها، وارتتمت في حضنه تبكي بصمت، تشعر بدفء صدره يخفف من وطأة شكوكها وخوفها.
“أحبكِ يا صغيرتي.” قال أحمد وهو يضمها إليه بقوة. “هيا بنا لنستحم. منظركِ هكذا يغريني لأفعل شيئًا لا يجب فعله الآن.” كانت كلماته تحمل مزيجًا من الحب والرغبة الجامحة.
فهمت ديما مقصده، ورفعت رأسها لتنظر إليه بعينين متوسلتين. “افعله… أنا أريده.”
ابتسم أحمد بحنان وقبل جبينها برقة. “لا يا صغيرتي… أرهقتكِ اليوم بما يكفي.” ثم حملها بين ذراعيه برفق وتوجه بها نحو الحمام.
ملأ أحمد حوض الاستحمام بالماء الدافئ والزيوت العطرية التي تفوح منها رائحة اللافندر الهادئة ثم أنزل ديما برفق في الحوض ثم انزلق بجانبها، ليحيطهما جو من الألفة والمودة، يغسل تعب اليوم
ويوطد علاقتهما الحميمة.
بعد أن أنهيا حمامهما الدافئ، فكر أحمد في اصطحاب ديما لتناول العشاء في أحد المطاعم الفاخرة. لكن سرعان ما تملكه القلق. تذكر محاولات سامي المستمرة لإيذائهما، والخطر الذي قد يتربص بهما في أي مكان عام.
الخوف من أن يصيب ديما أي مكروه بسببه كان أقوى من رغبته في الخروج والاستمتاع بوجبة هادئة معها. “بسبب ذلك الوغد سامي…” تمتم أحمد بغضب مكتوم. ثم لمعت في ذهنه فكرة.
اليخت! إنه مكان خاص وآمن نسبيًا.
أخرج هاتفه بسرعة وأجرى اتصالًا. طلب من شخص ما تجهيز اليخت لعشاء رومانسي خاص، مع التأكيد على أعلى مستويات الخصوصية والأمان.
بعد المكالمة، توجها إلى غرفة الملابس وكالعادة، تولى أحمد مهمة اختيار ملابس ديما. انتقى لها فستانًا قصيرًا من الحرير الأسود، يتميز بفتحات جريئة تبرز منحنيات جسدها بشكل مغرٍ، مع حذاء بكعب عالٍ من الجلد اللامع. كانت ديما تراقب اختياراته بابتسامة خفيفة.كانا يبدوان كملك وملكة يستعدان لقضاء ليلة ساحرة في عالمهما الخاص.

وصل أحمد وديما إلى اليخت، يدا بيد، وكأنهما أميران في مملكتهما الخاصة. كانت الأضواء الخافتة المنبعثة من اليخت تخلق جوًا رومانسيًا ساحرًا، بينما كانت المدينة البعيدة تلوح كلوحة مرصعة بالجواهر على الأفق.
أُعدّ لهما عشاء فاخر على سطح اليخت، تحت مظلة من النجوم المتلألئة. كانت المائدة مزينة بالشموع والورود الحمراء، وأطايب المأكولات البحرية الشهية تفوح منها روائح مغرية.
جلسا متقابلين، يتبادلان النظرات الدافئة والابتسامات الرقيقة. للحظات، بدا وكأن العالم الخارجي قد تلاشى، ولم يعد هناك سوى هما وليل بيروت الساحر.
لكن صفو هذه اللحظات الرومانسية لم يدم طويلًا. بينما كان أحمد يروي لديما إحدى حكايات سفره الشيقة، تسللت إلى قلب ديما شكوك الماضي فتذكرت كلمات سامي المسمومة، ونظراته الخبيثة، والخطر
الذي شعرت به يتربص بهما في كل زاوية.
نظرت إلى أحمد بعينين قلقة وقالت بصوت خافت: “أحمد… هل تعتقد أننا في أمان هنا؟”توقف أحمد عن الحديث ونظر إليها بجدية. “ديما… أنتِ معي. ولا يوجد شيء في هذا العالم يمكن أن يؤذيكِ .
لكن كلماته لم تستطع تبديد مخاوفها تمامًا. كانت تعلم أن خطر سامي لا يزال يلاحقهما، وأن الهدوء الذي ينعمان به قد يكون مجرد وهم يسبق عاصفة جديدة.
قضيا بقية العشاء في جو مشحون بالحب والقلق، يتناوبان بين لحظات من الرومانسية الحالمة وهمسات الخوف الخفي. كانت ليالي بيروت المشتعلة تحمل في طياتها مزيجًا متناقضًا من أحضان الأمان
وشكوك الماضي التي ترفض أن تنطفئ.


